التكرار الثالث للازمة القرآنية العظمى؛ تعقيباً على نعمة تدبير حركة المشارق والمغارب واختلاف الفصول والمطالع وما يترتب عليها من حفظ الحياة وتنوع الأرزاق.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ١٤)مصدر غير محدد٢٣/١٤ عن ابن عباس ومجاهد: أي فبأي نعم ربكما من تسخير هذه المشارق والمغارب التي تصلح بها زروعكم وثماركم ومعايشكم تكذبان؟ أتقدرون على تغيير مطلع واحد من هذه المطالع، أم تدعون أن ذلك لغير الله؟
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٥)مصدر غير محدد٧/٤٦٥: التعقيب هنا لتقرير نعمة تعاقب الأوقات والأنواء واختلاف الفصول، التي لولاها لفسدت معايش الخلق؛ فلو دام الصيف لاحترق الزرع، ولو دام الشتاء لتجمدت المياه وماتت الحيوانات؛ فكان هذا التدبير عين الرحمة والإحسان.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٩)مصدر غير محدد١٧/١١٩: تجديد التقرير والتوبيخ؛ ليعلم المخاطب أن كل دورة فلكية وكل شروق وغروب هو نعمة متجددة تستوجب شكراً متجدداً لا يغفل عنه عاقل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَبِأَيِّ}: الفاء فصيحة عاطفة، الباء حرف جر، أي اسم استفهام مجرور وعلامة جره الكسرة وهو مضاف، متعلق بتكذبان.
{آلَاءِ}: مضاف إليه مجرور وهو مضاف.
{رَبِّكُمَا}: رب مضاف إليه وهو مضاف، والكاف ضمير مضاف إليه والميم والألف للتثنية (الثقلان).
{تُكَذِّبَانِ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، وألف الاثنين فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع توقيت هذه اللازمة!
جاءت بعد الآية الكونية العظمى {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ}.
لتربط بين حركة الفلك الشاسعة وبين القلب البشري والجني الصغير؛ لتسألهما: هل تملكان إنكار هذا الانتظام الباهر؟
فيستقر في الوجدان عظمة الربوبية المطلقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إلزام العقل بالاعتراف بوحدة الصانع:
لو كان في الكون آلهة متعددة لاضطربت المشارق والمغارب؛ ولطلب إله الصيف استمرار الصيف، وإله الشتاء استمرار الشتاء؛ فانتظام المطالع والمغارب بحساب واحد برهان قطعي على وحدانية الرحمن: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}.
والتكذيب بعد قيام هذا البرهان الفلكي المشهود هو عين المكابرة والعناد.