هذه الآية الكريمة هي المطلع الأول للازمة الكبرى التي تدور عليها سورة الرحمن، والتي تتكرر إحدى وثلاثين مرة، لتكون ترنيمة التوحيد وإلزام الثقلين بالاعتراف والحمد.
روى الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه (كتاب التفسير، حديث رقم ٣٢٩١)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٩١، والحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَسَكَتُوا، فَقَالَ ﷺ: لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الجِنِّ لَيْلَةَ الجِنِّ فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ؛ كُنتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ».
وروى الطبري (ج ٢٣، ص ١٠)مصدر غير محدد٢٣/١٠ عن ابن عباس وقتادة في قوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}: قال: الآلاء: النعم والأيادي والقدر العظيمة؛ يخاطب الله الثقلين: معشر الإنس ومعشر الجن: فبأي نعم ربكم التي عددها عليكم من إنزال القرآن، وخلق الإنسان، وتعليمه البيان، وتسخير الشمس والقمر، وسجود النجم والشجر، ورفع السماء ووضع الميزان، وبسط الأرض وإنبات الفاكهة والنخل والحب والريحان؛ تكذبان وتجحدون؟ أتقدرون أن تدعوا أنها من غير الله؟ أم تنكرون وجودها أصلاً؟
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٣)مصدر غير محدد٧/٤٦٣: الخطاب للإنس والجن بدليل ما سيأتي من قوله: {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}، وقوله: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ}، وقوله: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ}؛ فالسورة خطاب مشترك للثقلين؛ والآلاء جمع إِلى أو أَلَى مثل قفا وأقفاء، وهي النعم الجسام.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٧)مصدر غير محدد١٧/١١٧: الاستفهام هنا استفهام تقرير وتوبيخ؛ أي لا يمكن لأحد منكم أن يكذب بشيء من هذه النعم، فلزمكم الإقرار بالوحدانية وإخلاص الشكر للرحمن وحده.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَبِأَيِّ}: الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر (أي: إذا كانت هذه نعم الله وآلاؤه المبثوثة في الأنفس والآفاق، فبأي آلاء ربكما تكذبان)، الباء حرف جر، أيّ اسم استفهام مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف، وشبه الجملة متعلق بالفعل المؤخر {تُكَذِّبَانِ}، وقدم اسم الاستفهام لأن له صدر الكلام ولقصد الاهتمام والحصر.
{آلَاءِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف؛ والآلاء النعم الجسام، ومفردها أَلْي وإِلْي وأَلَى.
{رَبِّكُمَا}: رب مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم والألف علامة التثنية؛ والمخاطب هما الثقلان (الإنس والجن).
{تُكَذِّبَانِ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل يعود على الإنس والجن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع موقع هذا السؤال القرآني المزلزل!
سردت الآيات الاثنتا عشرة الأولى مصفوفة معجزة من النعم: (١) الرحمن، (٢) تعليم القرآن، (٣) خلق الإنسان، (٤) تعليم البيان، (٥) الشمس والقمر، (٦) النجم والشجر، (٧) رفع السماء ووضع الميزان، (٨-٩) إقامة القسط والنهي عن الطغيان والإخسار، (١٠) بسط الأرض للأنام، (١١) الفاكهة والنخل، (١٢) الحب والعصف والريحان.
فلما استقرت هذه النعم في العقول والأبصار وأيقن السامع بعظمتها وفضله المحيط بها؛ أطلق هذا السؤال الصاعق الملزم: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟
فيكون الجواب الفطري الضروري: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد!
الالتفات إلى خطاب التثنية: انتقل من أسلوب الغيبة في وصف نعم الرحمن إلى أسلوب الخطاب المباشر الموجه للثقلين معاً لتشديد الإلزام والمواجهة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عموم التكليف ورسالة النبي ﷺ للجن والإنس:
الآية تثبت صراحة أن الجن مكلفون كالإنس، وأنهم مخاطبون بالقرآن، وأن النعم مسداة إليهم، وأنهم يحاسبون على شكرها أو جحودها.
واستماع الجن للقرآن ليلة الجن وتأثرهم به وسرعة استجابتهم برهان قاطع على إدراكهم لفصاحة الخطاب وحجية الوحي.
دحض منطق الجحود والإنكار:
التكذيب هنا إما أن يكون تكذيباً باللسان (بجحد أن الله هو الخالق والرازق)، وإما أن يكون تكذيباً بالحال والعمل (بصرف النعمة في معصية المنعم أو الإشراك به)؛ وكلا الأمرين تكذيب باطل تسقطه بدائه العقول.
الاستفهام التقريري التوبيخي: الغرض من الاستفهام ليس طلب المعرفة؛ فالله عليم بكل شيء، بل إقامة الحجة على الخصم وإلزامه بالإقرار؛ فالمنعم واحد والنعم باهرة، فالتكذيب ضرب من المكابرة والعمى.
التعبير بلفظ {رَبِّكُمَا}: استحضار لصفة الربوبية الدالة على التربية والعناية والرعاية والإنعام والفيض؛ فكيف يجحد المخلوق فضل ربه ومربيه؟
الإشارة التدبرية: كرر الله هذا السؤال ليوقظ الغافلين؛ فالإنسان معتاد على النعم حتى يألفها وينسى شكرها؛ فكلما ذكر بنعمة قيل له: أتنسى هذه؟ أتكذب بهذه؟ حتى يفيض قلبه بالخجل والحمد والشكر لله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
لزوم هدي الجن المؤمنين عند سماع الآية: التأسي بما وجه به النبي ﷺ، فكلما تلا المسلم أو سمع قارئاً يتلو: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}، أن يجيب بقلبه ولسانه: «لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ».
استشعار نعم الله وتعدادها في كل يوم: تدريب النفس على رؤية يد الله في كل طعام وشراب وهواء وعافية وعلم؛ فدوام الشكر قيد النعم وموجب المزيد: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.
الحذر من كفران النعم: تذكر أن جحود النعم أو استخدامها في الفساد والظلم يستوجب زوالها وحلول النقم؛ فاللهم لك الحمد على نعمك كلها ظاهرها وباطنها.