هذا مشهد من أعظم مشاهد التحدي والتعجيز الإلهي للثقلين في صعيد المحشر ومواقف القيامة؛ حيث تحيط الملائكة بالخلائق صفوفاً وأفواجاً، ويتجلى عجز الثقلين المطلق عن الفرار أو الخروج من قبضة الحكم والعدالة الإلهية.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٢٣)مصدر غير محدد٢٣/٢٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا}: قال: إن استطعتم أن تهربوا من الموت أو تفلتوا من قضاء الله وحسابه، وتخرجوا من ملكه وسلطانه إلى سلطان غيره فافعلوا! ولن تستطيعوا ذلك؛ {لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} أي بقوة وحجة وأمر من الله، ولا سلطان لكم على ذلك أبداً.
وروى أيضاً عن مجاهد والضحاك وقتادة: هذا يقال لهم يوم القيامة؛ إذا حشرت الخلائق وأحاطت بهم الملائكة سبعة صفوف من كل جانب، ونزل أهل السماء الدنيا ثم الثانية حتى السابعة، فيقول الله للثقلين تعجيزاً لهم: إن استطعتم أن تفروا وتخرجوا من جوانب السماوات والأرض وأطرافها فانفذوا هاربين من عذابي! فلا يجدون مهرباً ولا مفراً.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٨)مصدر غير محدد٧/٤٦٨: أي لا تستطيعون هرباً من أمر الله وقدره، بل هو محيط بكم لا تقدرون على الانفلات من حكمه أينما ذهبتم، فالأقطار هي الأطراف والجوانب؛ والسلطان هو القوة والقدرة؛ أي لا قدرة لكم على ذلك إلا بأمر من الله، ولا يأمر بذلك؛ كما قال تعالى: {يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢٧)مصدر غير محدد١٧/١٢٧: المعشر: الجماعة العظيمة المشتركة في وصف؛ وقدم الجن هنا على الإنس لأنهم أشد حركة وخفة وقدرة على الصعود والطيران في الفضاء وخرق الآفاق؛ فإذا عجز الجن الأقوياء عن النفاذ والفرار، كان الإنس الضعفاء أعجز وأقعد.
وفي التحرير والتنوير: الأمر في {فَانفُذُوا} أمر تعجيز وتوهين؛ كقوله تعالى: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا}؛ والنفاذ هو الخروج من المضيق والخرق للجانب الآخر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَا}: حرف نداء للبعيد أو للاهتمام والتعظيم.
{مَعْشَرَ}: منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف؛ والمعشر الجماعة التي يجمعها أمر واحد.
{الْجِنِّ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{وَالْإِنسِ}: الواو حرف عطف، الإنس معطوف على الجن مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{إِنِ}: حرف شرط جازم مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
{اسْتَطَعْتُمْ}: استطاع فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بالتاء في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل والميم للجمع.
{أَن}: حرف مصدري ونصب.
{تَنفُذُوا}: فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل، والمصدر المؤول (أن تنفذوا) في محل نصب مفعول به لاستطعتم؛ والنفاذ الخرق والخروج من حيز إلى حيز.
{مِنْ أَقْطَارِ}: جار ومجرور متعلق بالفعل تنفذوا، وأقطار جمع قُطْر وهو الجانب والناحية والطرف.
{السَّمَاوَاتِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{وَالْأَرْضِ}: معطوف مجرور بالكسرة.
{فَانفُذُوا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، انفذوا فعل أمر تعجيزي مبني على حذف النون والواو فاعل، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{لَا}: نافية مهملة.
{تَنفُذُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء مفرغ.
{بِسُلْطَانٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الواو (أي لا تنفذون إلا متلبسين بسلطان وقوة قاهرة)، والسلطان الحجة والقدرة والقوة والملك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع تقديم الجن على الإنس في هذه الآية!
في الآية (١٤ و١٥) قدم الإنسان على الجان: {خَلَقَ الْإِنسَانَ... وَخَلَقَ الْجَانَّ}؛ لأن السياق كان لبيان الشرف والكرامة بالوحي والتعليم، والإنسان أشرف بتلقي القرآن والرسالة.
أما هنا في الآية (٣٣) فالسياق سياق تحدٍ بالهروب والنفاذ والطيران في أقطار الفضاء؛ والجن أقدر على الطيران والصعود في أقطار السماوات لاستراق السمع: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ}؛ فبدأ بالأقوى والأقدر في هذا المضمار ليكون تعجيز الأضعف (الإنسان) حاصلاً بدلالة الفحوى والأولى!
هذا التقديم والـتأخير المعجز شاهد باهر على إعجاز النظم القرآني وتنزيل كل لفظ في موضعه الأتم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حدود الاستكشاف البشري للفضاء أمام الإحاطة الإلهية:
يستدل بعض المعاصرين بالآية على غزو الفضاء وصعود الصواريخ والأقمار؛ ويرون أن (السلطان) هو العلم والتكنولوجيا.
ولكن إن استؤنس بالآية في النطاق الدنيوي، فإن صعود الإنسان إلى الفضاء محدود جداً بأقطار جاذبية الأرض ومدارات ضيقة في المجموعة الشمسية، ولا يملك النفاذ من أقطار السماوات والأرض الشاسعة إلا بسلطان القوانين الفيزيائية التي خلقها الله؛ فالعلم ذاته سلطان منحه الله للإنسان، ومع ذلك يعجز الإنسان عن الخروج من ملكوت الله أو الفرار من الموت.
الحصار الإلهي المحكم يوم القيامة: في المحشر ينكشف الغطاء ويعلم الجميع أن الكون كله قبضة الرحمن، فلا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه.
أسلوب الأمر التعجيزي {فَانفُذُوا}: إظهار لعجز المخلوقين؛ كأنهم بعد أن دُعوا للنفاذ وقفوا مبهوتين عاجزين مقهورين تحت سقف الملكوت.
الاستثناء المفرغ {لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ}: حصر قاطع لقطع كل وهم أو أمل كاذب في الفرار؛ والسلطان منفي عنهم قطعاً، فينفي النفاذ كلياً.
الإشارة التدبرية: أين تذهب أيها العبد المذنب؟ إن عصيت الله في أرضه فأين تهرب؟ لا سماء تظلك إلا سماؤه، ولا أرض تقلك إلا أرضه؛ فبادر بالفرار من الله إليه بالتوبة والعمل الصالح: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كسر غرور العلم البشري المادي: تذكير الإنسان المعاصر بأن كل ما بلغه من تكنولوجيا ومركبات فضائية هو قطرة في بحار سلطان الله؛ فلا يستكبر على شريعة ربه.
استشعار عظمة المحشر والإحاطة الإلهية: تذكر وقفة الخلائق محاطين بصفوف الملائكة الأبرار لا يستطيع أحد أن يخطو خطوة إلا بإذن ربه.
الفرار إلى الله بالاستغفار: اليقين بأن الملجأ الوحيد من بطش الله هو الرجوع إلى طاعته ورحمته والتذلل بين يديه.