تصور هذه الآية الكريمة موقفاً مهيباً من مواقف القيامة، حين تخرس الألسنة وتنقطع الحجج وتتوارى الأسئلة الاستعلامية؛ لأن علم الله محيط بكل شيء، والصحائف ناطقة بالحق، والسيماء بادية على الوجوه.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٢٧)مصدر غير محدد٢٣/٢٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ}: قال: لا تسألهم الملائكة: هل عملتم كذا وكذا؟ لأن الله قد أحصى ذلك عليهم وعلمته الملائكة الحفظة، بل يعرفون بسيماهم فيؤخذون إلى النار؛ والمسألة المنفية هنا هي مسألة الاستعلام والاستخبار؛ لأن الله علام الغيوب لا يحتاج إلى من يخبره بذنوب عباده.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٧٠)مصدر غير محدد٧/٤٧٠: كقوله تعالى: {هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}؛ فهذا في موطن، وفي موطن آخر يسألون ويقررون بذنوبهم؛ كما قال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وقال: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}؛ فيوم القيامة مواقف وأطوار متعددة؛ في موطن يخرسون فلا ينطقون، وفي موطن يسألون سؤال تقريع وتوبيخ وتبكيت، وفي موطن تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يكسبون.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣٠)مصدر غير محدد١٧/١٣٠: لا يسأل إنس ولا جان سؤال استفهام واستعلام: هل أذنبت؟ لأنه لا يخفى على الله خافية، بل يسألون سؤال توبيخ وتقريع: لِمَ فعلت كذا؟ ولِمَ عصيت ربك؟ وقيل: لا يسأل أحد عن ذنب غيره؛ بل كل نفس تجزى بما كسبت، كقوله: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}.
وفي التحرير والتنوير: نفي السؤال يدل على سرعة الحساب وحسم الأمر؛ فالأدلة حاضرة، والشهود قائمون، والسيماء واضحة، فلا حاجة إلى إجراءات الترافع والمساءلة المطولة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَيَوْمَئِذٍ}: الفاء عاطفة تفريعية، يوم ظرف زمان منصوب متعلق بالفعل يسأل، وهو مضاف إلى (إذ)، وإذ اسم ظرفي مبني على السكون في محل جر مضاف إليه وحرك بالكسر ونوّن تنوين عوض عن جملة محذوفة (تقديره: فيوم إذ تنشق السماء وتكون وردة كالدهان).
{لَّا}: نافية مهملة تفيد نفي الفعل.
{يُسْأَلُ}: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله (مبني للمجهول) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وبناؤه للمجهول للدلالة على أن نفي السؤال صادر من سائر السائلين (الملائكة والشهود).
{عَن ذَنبِهِ}: عن حرف جر، ذنب اسم مجرور بعن وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه يعود على المذكور بعده (إنس) على نية التأخير، والجار والمجرور متعلق بالفعل يسأل.
{إِنسٌ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{وَلَا}: الواو حرف عطف، لا نافية لتأكيد النفي والعموم.
{جَانٌّ}: اسم معطوف على إنس مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ والجان هنا جمع جن أو جنس الجن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الاتساق والتكامل مع الآية التالية (٤١)!
قال هنا في الآية (٣٩): {فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ}.
فربما سأل سائل: إذا كانوا لا يسألون، فكيف يُعرف المجرم من البريء ليجازى؟
فلا حاجة للسؤال اللفظي؛ لأن العلامات الجسدية والنورانية قد ميزت كل فريق تمييزاً قاطعاً مشهوداً للعيان!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حل التعارض الظاهري بين نفي السؤال وإثباته في القرآن:
قد يظن طاعن أن هناك تناقضاً بين قوله: {لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ}، وقوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}.
والجواب التحقيقي المحكم عند أئمة التفسير والسنة:
اختلاف المواطن: يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة، وفيه مواطن ومحطات متعددة؛ ففي موطن تسكت الألسنة وتختم على الأفواه وتشهد الجوارح فلا سؤال، وفي موطن آخر يقفون للحساب ويقررون بذنوبهم فيسألون.
اختلاف نوع السؤال: المنفي هو سؤال الاستعلام والاستخبار (لأن الله يعلم كل شيء ولا يحتاج للاستفهام)، والمثبت هو سؤال التقريع والتوبيخ وإقامة الحجة (لتسجيل الإدانة وإظهار العدل).
نفي سؤال المعذرة: لا يسألون هل لكم عذر؛ لأنه لا عذر لهم يومئذ.
فارتفع الإشكال وتجلت عظمة التوافق بين آيات كتاب الله.
تقديم الجار والمجرور {عَن ذَنبِهِ}: للاهتمام بموضوع الجناية وإبراز أن الذنب مسجل معلوم لا يحتاج إلى فحص أو استجواب.
عطف {جَانٌّ} على {إِنسٌ}: يؤكد مجدداً وحدة المصير والمسؤولية بين الثقلين في صعيد الجزاء.
الإشارة التدبرية: استشعار اليوم الذي تنقطع فيه المعاذير وتخرس فيه ألسنة الجدال؛ فلا محامي يدافع، ولا كذب ينفع؛ فالحذر الحذر من ذنوب الخلوات التي تفضح صاحبها يوم تبلى السرائر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الإقلاع الفوري عن الذنوب والتوبة منها: معرفة أن كل ذنب مسجل في صحيفة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، وأن التوبة الصادقة في الدنيا تمحو أثر الذنب وسيمائه في الآخرة.
مراقبة الله في السر والعلن: استحضار أن الله غني عن إقرارك وشهادتك؛ فهو محيط بعملك في كل لحظة.
التواضع والوجل من هول الموقف: الاستعداد لليوم الذي تسكت فيه الحجج ولا ينفع إلا من أتى الله بقلب سليم.