تنتقل الآية الكريمة لتصور هيئة جلوس أهل الجنة ومجالس كرامتهم؛ حيث يجمع الله لهم بين كمال الراحة والرفاهية على أرقى الفرش المنسوجة بالديباج والذهب، وبين تدلي الثمار وجناها قريباً من متناول أيديهم في كل حال.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٣٥)مصدر غير محدد٢٣/٣٥ عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ}: قالا: الإستبرق: الديباج الثخين المنسوج بالذهب والحرير الفاخر؛ وهذه بطائنها التي تلي الأرض ولا تراها العيون، فكيف بظواهرها التي تباشر الأجساد وتراها الأبصار؟ قال ابن عباس: "هذا مما كتمتم عنه؛ بطائنها من إستبرق، فما ظنكم بظواهرها؟! ظواهرها نور يتلألأ".
وروى أيضاً عن قتادة ومجاهد والضحاك: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ}: الجنى: الثمر المجتنى الرطب؛ ودانٍ: قريب يتناوله المؤمن كيف شاء: إن كان قائماً تناوله بغير مشقة، وإن كان قاعداً تناوله بغير قيام، وإن كان مضطجعاً تدلت إليه الثمرة حتى تدنو من فيه؛ لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٧٣)مصدر غير محدد٧/٤٧٣: الاتكاء: هو الجلوس المتمكن المترف؛ وهو صفة الملوك والأمراء في قصورهم؛ والفُرش جمع فراش؛ والبطانة ما يلي الأرض والسرير، والظهارة ما يلي الجالس؛ فإذا كانت البطانة التي لا يراها أحد مصنوعة من أفخر أنواع الديباج والذهب (الإستبرق)، فما الظن بالظهارة التي يقعدون عليها؟ دل ذلك على فخامة لا يخطر على قلب بشر كنهها؛ {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} أي ثمارها قريبة مدلاة لا يعجزهم تناولها.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣٥)مصدر غير محدد١٧/١٣٥: دنا الثمر دُنواً: قرب؛ فكلما اشتهى ولي الله ثمرة تدلى إليه غصنها حتى يتناولها بفيه أو بيده، فإذا أخذها نبتت مكانها أخرى في الحال؛ كما قال تعالى: {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}.
وفي التحرير والتنوير: الجمع بين الاتكاء ودنو الجنى يبرز غاية الراحة والرفاهية؛ فالإنسان في الدنيا إذا اتكأ واستراح احتاج إلى من يخدمه ويقوم ليجلب له الطعام، أما في الجنة فالثمار ذاتها تأتيه وتتدلى إليه وهو في غاية الاتكاء والراحة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُتَّكِئِينَ}: حال منصوبة وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد؛ وصاحب الحال محذوف دل عليه السياق (تقديره: يتنعم أهل الجنتين كائنين متكئين، أو حال من خاف في قوله ولمن خاف لأنه مفرد اللفظ جمع المعنى). والاتكاء الجلوس مع الميل والاعتماد على وسادة أو نمرقة للراحة.
{عَلَىٰ فُرُشٍ}: جار ومجرور متعلق بمتكئين، وفرش جمع فراش.
{بَطَائِنُهَا}: بطائن مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف، و(ها) ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه؛ والبطائن جمع بطانة وهي الوجه الداخلي المستور من الثوب أو الفراش.
{مِنْ إِسْتَبْرَقٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ (بطائنها)، والجملة الاسمية في محل جر نعت لفرش؛ والإستبرق لفظ معرب من الفارسية أصله استبرق وهو الديباج الغليظ الصفيق اللامع المنسوج بالذهب.
{وَجَنَى}: الواو حالية أو عاطفة، جنى مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر وهو مضاف؛ والجنى ما يجتنى ويقطف من الثمار.
{الْجَنَّتَيْنِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه مثنى.
{دَانٍ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة للتنوين (لأنه اسم منقوص، أصله دانيٌ)؛ والدنو القرب وسهولة التناول. والجملة الاسمية معطوفة أو في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع البلاغة في الجمع بين علو المقعد ودنو الثمر!
هم {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ} رفيعة القدر عالية المكانة.
ومع هذا العلو فالأغصان الشامخة تتدلى خاضعة: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ}.
فلا يحتاج المؤمن إلى تسلق الشجر ولا إلى مد عصا ولا إلى بذل جهد؛ بل الخدمة تأتيه في مجلس عزه وكرامته.
الدلالة البيانية لذكر البطانة دون الظهارة: إيجاز إعجازي من باب (فحوى الخطاب ودلالة الأولى)؛ لأن العادة أن تكون البطانة أخشن وأقل جودة من الظهارة؛ فإذا كانت البطانة المستورة من حرير الديباج المذهب، فإن العقل يعجز عن تصور بهاء الظاهرة المعروضة للأبصار!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حل إشكال التكريم الحسي في الجنة:
يزعم بعض الفلاسفة أن النعيم في الآخرة روحي مجرد ولا حقيقة للأكل والفرش والاتكاء.
والقرآن الكريم بنصوصه القاطعة يبطل هذا الزعم؛ فالإنسان خلقه الله روحاً وجسداً، ويبعثه روحاً وجسداً، والنعيم في الجنة نعيم متكامل: حسي بالأكل والشرب والفرش والحور، وروحي بالقرب والرضوان والنظر إلى وجه الله الكريم؛ ونفي أحدهما تعطيل لنصوص الوحي.
دلالة خضوع الشجر للمؤمن: الأشجار في الجنة مسخرة تابعة لمشيئة العبد؛ فإذا اشتهى ثمرة دانت منه بإذن ربها، مما يدل على كمال التكريم والسيادة لأهل الجنة.
بلاغة الكناية والإيماء في {بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ}: سكت عن الظواهر ليكون أبلغ في إثارة الخيال واستحضار الجلال والجمال الذي لا تحيط به العبارة.
التعبير بـ{دَانٍ}: صيغة اسم فاعل تفيد القرب الملازم الدائم؛ فالثمار دانية لا تبعد أبداً عن مشتهاها.
الإشارة التدبرية: من تعب في الدنيا وقام ليله وصام نهاره وجاهد في سبيل الله؛ بوأه الله مقعد الاتكاء والاستراحة الأبدية على فرش الإستبرق؛ فالراحة الحقيقية تبدأ هناك بعد نصب الدنيا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصبر على خشونة العيش في الدنيا: ألا يحزن المؤمن إن فاته رغد العيش أو نعومة الفرش في الدنيا؛ فموعده فرش بطائنها من إستبرق.
تعظيم ثواب الخشوع والجهاد: استحضار أن كل سجدة على التراب في الدنيا تثمر اتكاءً على سرر الكرامة في الآخرة.
اغتنام الأوقات في العمل الصالح: تذكر أن الاتكاء الأبدي في الجنة لا يناله المتكئون الكسالى في الدنيا، بل يناله المشمرون المجتهدون.