تواصل الآيات تصوير خضوع سائر الكائنات العلوية والسفلية لسلطان الرحمن، في مشهد تعبدي مهيب تسجد فيه الجمادات والنباتات طوعاً لأمر باريها.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٥)مصدر غير محدد٢٣/٥ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}: قال: النجم: ما لا ساق له من النبات الذي ينبسط على وجه الأرض، كالبقول والبطيخ والقرع؛ والشجر: ما قام على ساق وثبت؛ وروى أيضاً عن قتادة ومجاهد أن النجم هو نجوم السماء، والشجر شجر الأرض؛ وسجودهما خضوعهما وانقياد أظلالهما لله تعالى.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٢)مصدر غير محدد٧/٤٦٢: اختلف المفسرون في النجم هنا على قولين؛ أحدهما: أنه نبات الأرض الذي ليس له ساق، والثاني: أنه نجوم السماء؛ والقول الأول اختاره ابن جرير لمقابلته بالشجر الذي له ساق، والقول الثاني اختاره جمع من المحققين ليكون جمعاً بين آيات السماء (النجم) وآيات الأرض (الشجر)، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٤)مصدر غير محدد١٧/١١٤: سجود النجم والشجر: انقيادهما لما خلقهما الله له وتصريفهما على ما أراد؛ وقيل: سجودهما هو ميل أظلالهما بالغداة والآصال خاضعة متذللة لعظمة الله، كما قال تعالى: {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ}.
وبين السعدي (ص ٨٢٨)مصدر غير محدد٨٢٨: سجود المخلوقات هو خضوعها التام لربها، وامتثالها لتسخيره؛ فلا تمتنع شجرة من الإثمار إذا أمرت، ولا يمتنع نبات من النمو، وكلها مسبحة بحمد ربها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالنَّجْمُ}: الواو حرف عطف، النجم مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ والنجم يطلق في اللغة على الكوكب اللامع في السماء، ويطلق على النبات الذي ينجم أي يطلع من الأرض بلا ساق.
{وَالشَّجَرُ}: الواو حرف عطف، الشجر معطوف على النجم مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وهو النبات القائم على ساق.
{يَسْجُدَانِ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل يعود على النجم والشجر؛ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ {وَالنَّجْمُ}.
السجود في أصل اللغة: الانحناء والخضوع والتذلل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذا التناسق والتقابل الثنائي المعجز!
في الآية (٥) ذكر زوجين سماويين عظيمين: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ}.
وفي الآية (٦) ذكر زوجين أرضيين (أو سماوياً وأرضياً): {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ}.
ثم ثنّى الفعل في الموضعين بحساب وبلاغة: في الأولى بحسبان، وفي الثانية {يَسْجُدَانِ}.
هذا التقابل بين الأجرام العلوية والنباتات السفلية يرسم لوحة كونية متكاملة؛ فالكون كله من أقصى أفلاكه إلى أصغر نبتة في ترابه يسبح في موكب الطاعة والسجود لله تعالى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة سجود الكائنات غير العاقلة:
يتساءل الماديون: كيف يسجد الشجر والنجم وهما بلا عقول ولا جباه؟
والجواب القرآني العقلي المحكم: السجود له معنيان؛ سجود خاص بالمكلفين بوضع الجباه على الأرض، وسجود عام تشترك فيه كل ذرة في الوجود وهو غاية الخضوع والانقياد والامتثال لقوانين الخالق وتسبيحه بلسان الحال والمقال: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}.
كما أن حركة الظلال وانكسارها على الأرض عند الشروق والغروب تمثل سجوداً حسياً مشهوداً تدركه الأبصار.
تقريع الإنسان المستكبر: الآية تحمل تعريضاً وتبكيتاً للإنسان الكافر؛ فإذا كان الشجر والنجم يخضعان ويسجدان للرحمن، فكيف يتكبر الإنسان الذي خلقه الله من تراب وعلمه البيان عن السجود لربه؟
المجاز العقلي أو التعبير الاستعاري في {يَسْجُدَانِ}: استعارة لفظ السجود لتمام الانقياد؛ لتصوير الكون في هيئة محراب عبادة كبير يؤدي فيه الجميع صلاة الخضوع لباريه.
براعة التقابل بين ما له ساق وما لا ساق له: استيعاب سائر أصناف النبات؛ فالأرض وما يخرج منها خاضع لأمر الله مسخر لمنفعة العباد.
الإشارة التدبرية: لا تكن أيها الإنسان النشاز الوحيد في هذه المعزوفة الكونية الساجدة؛ فكل ما حولك ساجد مسبح، والعبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد؛ فإذا سجدت لله تناغمت مع حركة الوجود بأسره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم فريضة الصلاة والسجود: الاستجابة لنداء الله تعالى، والمحافظة على السجود بخشوع؛ فالسجود شرف المؤمن ورفعة درجاته في الدنيا والآخرة.
رعاية البيئة والنبات والانتفاع بها: النظر إلى الأشجار والنباتات بعين التقدير؛ فهي كائنات ساجدة مسبحة تؤدي دورها في عمارة الأرض وإمداد الإنسان بالأكسجين والثمار والجمال.
استشعار معية الوجود في العبادة: أن يستحضر المؤمن عند صلاته في الصحراء أو بين الأشجار أنه يصلي في موكب كوني عظيم يشاركه فيه الشجر والحجر والطير والنجوم.