التكرار الثالث عشر للازمة الكبرى في السورة؛ تعقيباً على مشهد حسم القضاء ونفي الحاجة إلى سؤال الاستعلام لظهور الحقائق وكمال العدل الإلهي.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٢٨)مصدر غير محدد٢٣/٢٨ عن قتادة: يقول تعالى: فبأي نعم ربكما يا معشر الإنس والجن تكذبان؟ أبهذا العلم المحيط والعدل القاطع الذي لا يظلم فيه أحد مثقال ذرة، فلا يعاقب بريء ولا ينجو مجرم؟
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٧٠)مصدر غير محدد٧/٤٧٠: التذكير هنا بنعمة وضوح الحقائق والعدل التام؛ فإن انقطاع الخصومات الباطلة بالحق الناصع مظهر من مظاهر الجلال والرحمة لأهل الإيمان.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣١)مصدر غير محدد١٧/١٣١: تجديد التقرير ليرتدع السامع ويوقن بأن ستر الله عليه في الدنيا نعمة، وتبيينه لمصيره في الآخرة نعمة تقتضي شكر المنعم قبل فوات الأوان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَبِأَيِّ}: الفاء فصيحة، الباء حرف جر، أي اسم استفهام مجرور وهو مضاف متعلق بتكذبان.
{آلَاءِ}: مضاف إليه مجرور وهو مضاف.
{رَبِّكُمَا}: رب مضاف إليه وهو مضاف والكاف ضمير متصل والميم والألف للتثنية (الثقلان).
{تُكَذِّبَانِ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والفاعل ألف الاثنين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبلغ موقع السؤال هنا!
لما بين أن الذنوب مكشوفة لا تحتاج إلى سؤال: {لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ}.
جاء التوبيخ: فبأي شيء تكذبان؟ هل تملكان إنكار ذنوبكما؟ أم تجحدان علم الله بها؟
ليمهد بعد ذلك لبيان العلامات التي تظهر على الأجساد: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كمال العلم الإلهي ونفي الظلم:
القاضي البشري يحتاج إلى السؤال والشهود والدلائل لأنه جاهل بالحقائق الخفية؛ فربما ضللته الألسنة الفصيحة.
أما رب العالمين فحكمه مبني على علمه التام المحيط؛ فلا مجال للشبهات ولا للظلم؛ وهذا قمة العدل والإنصاف.