التكرار الخامس عشر للازمة الكبرى في السورة؛ وهو ختام المقطع الثاني والسباعية الثانية الخاصة بالإنذار، والوعيد، وأهوال القيامة، ومصير المجرمين في جهنم.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٣٠)مصدر غير محدد٢٣/٣٠ عن قتادة ومجاهد: يقول تعالى: فبأي نعم ربكما يا معشر الإنس والجن تكذبان؟ أبهذا البيان الكاشف لمصير المجرمين حتى تحذروا طريقهم وتنجوا بأنفسكم من هذا الحميم الآني؟
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٧١)مصدر غير محدد٧/٤٧١: ختم الله تعالى ذكر جهنم وأهوالها وعذاب المجرمين فيها بهذا التقرير والتوبيخ؛ ليعلم العباد أن التحذير من هذا العذاب قبل وقوعه هو من أعظم نعم الله وآلائه؛ كما يمتن الطبيب الحاذق على المريض ببيان السم القاتل ومضاعفاته ليجتنبه فيسلم بدنه.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣١)مصدر غير محدد١٧/١٣١: عدّ الله تعالى وعيد جهنم من الآلاء لأنها زاجرة عن المعاصي، داعية إلى التقوى، وموجبة لنجاة من اتقى؛ فلولا ذكر النار لما خاف العصاة ولأفسدوا في الأرض حتى يهلكوا؛ فكان التخويف نعمة ومنة من الرحمن.
وبين المفسرون لطيفة بديعة: أن مواضع {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} في سياق الوعيد وجهنم وأهوال الحساب بلغت سبعة مواضع، متطابقة مع أبواب جهنم السبعة: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ}؛ فكأن كل آية منها تغلق باباً من أبواب جهنم عمن اتعظ بها وأقر بآلاء ربه!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَبِأَيِّ}: الفاء فصيحة، الباء حرف جر، أي اسم استفهام مجرور وهو مضاف متعلق بتكذبان.
{آلَاءِ}: مضاف إليه مجرور وهو مضاف.
{رَبِّكُمَا}: رب مضاف إليه وهو مضاف والكاف ضمير متصل والميم والألف للتثنية (الثقلان).
{تُكَذِّبَانِ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والفاعل ألف الاثنين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم براعة المقطع ونهاية مشهد الرهبة والوعيد!
انتهى مشهد الفناء والحساب وجهنم والحميم الآني عند هذه الآية (٤٥).
لتتحول السورة الكريمة تحولاً كلياً باهراً في الآية التالية (٤٦) إلى واحة النعيم الأبدي وجنان الخلد: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}!
فيكون هذا الختام باللازمة فاصلاً حاسماً بين دار العقاب والجحيم، ودار الثواب والنعيم؛ ليتجلى كمال التوازن القرآني بين الرهبة والرغبة، وبين عدل الجلال وفيض الإكرام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تكامل النعمة بين التحذير من الشقاء والتبشير بالسعادة:
السعادة لا تكتمل إلا بأمرين: النجاة من المرهوب، والظفر بالمرغوب.
فالآيات السابقة حققت النجاة من المرهوب ببيان أهوال جهنم والتحذير منها؛ والآيات القادمة ستحقق الظفر بالمرغوب ببيان الجنان الأربع ونعيمها؛ فكانت المنظومة كلها آلاء ونعماً من الرحمن الرحيم.
الإيقاع الحاسم في نهاية الشوط الثاني: تتوقف نغمات التهديد عند هذا الموضع، لتهدأ النفس المستعيذة بالله من النار، وتستعد لتلقي البشائر العظيمة في الشوط الثالث من السورة.
الإشارة التدبرية: استشعار فضل الله الذي أنجاك من جهنم؛ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الانتقال بالدعوة من التخويف إلى الترغيب: أن يتعلم الداعية من القرآن حسن التدرج؛ فلا يقتصر على التخويف حتى يقنط الناس، بل يتبعه بالبشارة والترغيب ليحيي الرجاء في القلوب.
العمل الصالح المؤهل للجنان: الاستعداد لدخول روضات الجنان التي سيفصلها الرحمن في الآيات التالية بالتقوى والخوف من مقام الرب العظيم.