تنتقل الآية الكريمة لبيان أصل المكون الثاني من الثقلين المكلفين؛ وهو عالم الجن، مظهرة بديع قدرة الله في تنويع مواد الخلق وعناصره.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ١٢)مصدر غير محدد٢٣/١٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}: قال: المارج: لسان النار الصافي الذي يخرج من طرف اللهب لا دخان فيه؛ وقيل: المارج المختلط بعضه ببعض من بين حمرة وصفرة وخضرة، من مرج الشيء إذا اختلط واضطرب؛ وعن مجاهد: من لهب النار الخالص.
وذكر ابن كثير (ج ٧، ص ٤٦٤)مصدر غير محدد٧/٤٦٤: الجان: هو أبو الجن، خلقه الله تعالى من لهب النار الصافي الخالص قبل خلق آدم عليه السلام، كما قال تعالى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ}؛ والمارج: أطيب النار وأصفاها وأشدها حرارة واشتعالاً.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٨)مصدر غير محدد١٧/١١٨: المارج: الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد؛ يقال: مرج الأمر إذا اضطرب والتبس، فسمي لهب النار مارجاً لسرعة حركته وتداخله واضطرابه في الهواء؛ والجان اسم جنس كالجن.
وأوضح السعدي (ص ٨٢٨)مصدر غير محدد٨٢٨: كما خلق الإنسان من مادة الأرض الكثيفة، خلق الجان من مادة النار الخفيفة اللطيفة، ليكون ذلك دليلاً على كمال قدرته وتنوع إيجاده، وكلفهما جميعاً بأوامره ونواهيه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَخَلَقَ}: الواو حرف عطف، خلق فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على {الرَّحْمَٰنُ}.
{الْجَانَّ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو اسم جنس للجن أو أريد به أبوهم إبليس.
{مِن مَّارِجٍ}: من حرف جر لابتداء الغاية، مارج اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بالفعل خلق؛ والمارج لسان اللهب الصافي الخالص المضطرب.
{مِّن نَّارٍ}: من حرف جر لبيان الجنس، نار اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بنعت محذوف لمارج (أي من مارج كائن من جنس النار).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا التقابل العنصري والتكويني المعجز!
قابل الطين بالنار، وقابل الصلصال بالمارج.
فالإنسان خلق من مادة أرضية كثيفة باردة رطبة فيها تماسك وسكون وثقل.
والجان خلق من مادة سماوية نارية لطيفة حارة يابسة فيها خفة واشتعال واضطراب.
هذا الجمع بين المادتين المتضادتين تماماً يبرز طلاقة القدرة الإلهية؛ فالذي أبدع الحياة والوعي والتكليف من عنصرين متناقضين قادر على كل شيء، ومحيط بجميع العوالم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان قياس إبليس الفاسد:
احتج إبليس على ربه حين أُمر بالسجود لآدم بفضل عنصره الناري، فقال: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}.
والآية تبين أن النار ليست خيراً من الطين؛ فالنار عنصر تدمير واحتراق وطيش واضطراب وسرعة زوال، بينما الطين عنصر نماء وبركة وإنبات وثبات وحلم ورزانة.
والفضل الحقيقي ليس في المادة المجردة، بل في تقوى الله وطاعته؛ فصار إبليس الناري رجيماً ملعوناً، وصار آدم الترابي وأولياؤه من ذريته في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
حقيقة التكليف في عالم الجن: إثبات أن الجن خلقوا بخصائص تسمح لهم بالاختيار والفهم والتكليف كالروح الإنسانية، ولهم عقول يدركون بها خطاب القرآن ويثابون ويعاقبون.
الدلالة الصرفية لـ(مَارِج): اسم فاعل من مرج يدل على الحركة والاضطراب وعدم الاستقرار؛ وهو يصف حركة اللهب الخالص الذي يضطرب في أعلاه.
الإضافة البيانية {مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}: تفيد الدقة في التحديد؛ فليس من رماد النار ولا من دخانها، بل من صفوة لهبها المتطاير.
الإشارة التدبرية: كما أن طبيعة النار الاستعلاء والإحراق، فإن من غلبت عليه الشهوة والغضب والرياء نزع إلى طباع النار الشيطانية؛ ومن غلب عليه الحلم والتواضع والإنابة نزع إلى صفات الطين الزكية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من وساوس الشيطان ومكايده: معرفة طبيعة العدو المتربص؛ فإبليس وجنوده من طبيعة نارية خفية تتسلل إلى النفوس، والتحصن منهم يكون بالاستعاذة وذكر الله: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» (متفق عليه).
علاج الغضب بالوضوء والسكينة: إدراك العلاقة بين الغضب والنار؛ فالغضب جمرة يلقيها الشيطان في القلب، وعلاجه إطفاؤها بماء الوضوء والتواضع لله.
الاستقامة على أمر الله بغض النظر عن المؤثرات: الثبات على الحق واليقين بأن قدرة الله غالبة وسلطان الشيطان ضعيف أمام أهل الإخلاص: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}.