روى الطبري (ج ٢٣، ص ٢٠)مصدر غير محدد٢٣/٢٠ عن ابن عباس ومجاهد في قوله: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}: قال: يبقى الله تعالى حياً قيوماً لا يموت، والوجه عبارة عن ذاته سبحانه؛ وقيل: ما أريد به وجه الله من الأعمال الصالحة، والأول هو الأصل المعتمد عند سلف الأمة وأئمة السنة بإثبات صفة الوجه لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله وعظمته.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٦)مصدر غير محدد٧/٤٦٦: يخبر تعالى عن بقاء ذاته الكريمة المقدسة بعد فناء خلقه؛ فالوجه صفة من صفات الذات ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل؛ {ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} أي هو أهل أن يُجلّ ويعظم فلا يعصى، وأهل أن يطاع فلا يخالف، وهو المحسن المكرم لأوليائه بالثواب الجزيل ومقعد الصدق.
وروى مسلم في صحيحه (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم ٥٩١)مصدر غير محددحديث رقم ٥٩١ عن ثوبان رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ».
وروى الإمام أحمد والترمذي (حديث رقم ٣٥٢٥)مصدر غير محددحديث رقم ٣٥٢٥ وصححه الحاكم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ»؛ أي الزموا هذا الدعاء وأكثروا منه واثبتوا عليه.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢٤)مصدر غير محدد١٧/١٢٤: قرأ ابن عامر وأهل الشام: {ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} بالياء نعتاً لـ{رَبِّكَ}؛ وقرأ باقي القراء السبعة والعشرة: {ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} بالواو نعتاً لـ{وَجْهُ}؛ والوجهان متلازمان، فربنا هو ذو الجلال والإكرام بوجهه وذاته وأسمائه وصفاته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَيَبْقَىٰ}: الواو حرف عطف، يبقى فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر؛ والبقاء دوام الوجود ونفي العدم.
{وَجْهُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
{رَبِّكَ}: رب مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{ذُو}: نعت لوجه مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف (على قراءة الجمهور بالرفع). وعلى قراءة ابن عامر {ذِي} نعت لربك مجرور بالياء.
والإكرام: يقتضي المحبة والرجاء والطمع والشوق إلى رحمته ونعيمه.
فاجتمع في هذا الاسم الجليل جناحا العبودية الكاملة: الخوف والرجاء، والرهبة والرغبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير معتقد أهل السنة والجماعة في صفة الوجه:
تثبت الآية الكريمة صفة (الوجه) لله سبحانه إثباتاً حقيقياً يليق بجلاله، كما أثبتها سبحانه لنفسه في غير موضع: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}، {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}.
من غير تشبيه بوجوه المخلوقين؛ فقاعدة التوحيد المحكمة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
وبقاء الوجه يستلزم بقاء الذات المقدسة بكل كمالاتها وأسمائها.
دفع توهم انقطاع العطاء بعد الفناء: الجمع بين الجلال والإكرام يبرهن على أن فناء الدنيا ليس فناءً نهائياً للعطاء، بل هو انتقال إلى دار الإكرام الأكبر في جنات النعيم لمن اتقى ربه.
قراءة الرفع {ذُو}: تؤكد أن صفة الوجه متلبسة بكمال الجلال والإكرام.
قراءة الجر {ذِي}: تؤكد أن الرب سبحانه بذاته هو ذو الجلال والإكرام.
فيتطابق المعنيان لبيان كمال الذات والصفات.
الإضافة في {وَجْهُ رَبِّكَ}: تشريف للنبي ﷺ وتثبيت لقلبه؛ فالرب الذي تولاك بالرعاية هو الباقي الدائم الذي لا يغلب ولا يزول سلطانه.
الإشارة التدبرية: اجعل عملك كله خالصاً لوجه الباقي؛ فكل عمل أريد به غير وجه الله يفنى ويضمحل، وكل عمل أريد به وجه الله يبقى ويزكو ويثمر إلى أبد الآبدين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
لزوم الدعاء بهذا الاسم العظيم: الامتثال للأمر النبوي: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ»؛ فإن فيه اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب.
إخلاص النية لله في كل عمل: تذكر أن كل ما سوى الله فانٍ؛ فلا ترجُ ثواباً من مخلوق فانٍ، بل اطلب الأجر من ذي الجلال والإكرام.
عمارة القلب بإجلال الله ومحبته: أن يمتلئ قلب العبد تعظيماً لجلال ربه، ومحبة لإكرامه وجوده وإحسانه.