تتوج هذه الآية الكريمة سياق الجنتين الأوليين العاليتين بقاعدة كلية خالدة من أعظم قواعد العدل والفضل الإلهي في معاملة الخالق لخلقه؛ حيث تقرر أن من أحسن عمله في دار الدنيا بالإيمان والتقوى، فلا يجزيه الله في دار الآخرة إلا بأكمل الإحسان بالنعيم والرضوان.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٣٨)مصدر غير محدد٢٣/٣٨ والبغوي في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥١)مصدر غير محدد٧/٤٥١ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: يَقُولُ: هَلْ جَزَاءُ مَنْ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الجَنَّةُ؟!».
وروى أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}: قال: ما جزاء من أحسن في الدنيا وأطاع الله واتبع أمره، إلا أن يحسن الله إليه في الآخرة بالثواب والكرامة ومقعد الصدق عند مليك مقتدر؛ وعن عكرمة ومجاهد: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد ﷺ، إلا الجنة؟
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٧٤)مصدر غير محدد٧/٤٧٤: أي ما جزاء من أحسن العمل في الدنيا بطاعة ربه وخوف مقامه إلا أن يُحسن إليه في الدار الآخرة بالجنات والأنهار والفرش والحور العين والنظر إلى وجهه الكريم؛ كما قال تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}، وقال: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣٧)مصدر غير محدد١٧/١٣٧: الاستفهام هنا معناه النفي؛ أي ما جزاء الإحسان في الطاعة إلا الإحسان بالثواب والجنة؛ والإحسان الأول من العبد هو إحسان العمل والاتباع، والإحسان الثاني من الله وهو التفضل بالجنان ومضاعفة الأجور؛ وبينهما بون شاسع؛ فإحسان العبد قليل مخلوق، وإحسان الله عظيم أزلي أبدي لا يحيط به حصر.
وفي التحرير والتنوير: هذه الآية تذييل جامع وقانون أخلاقي وديني كلي؛ يجمع بين تقرير كرم الله وفضله، وبين غرس شيمة الوفاء ومقابلة الإحسان بالإحسان في المعاملات الإنسانية كلها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{هَلْ}: حرف استفهام مبني على السكون، والمراد به النفي التقريري والإنكار (بمعنى: ما جزاء الإحسان إلا الإحسان).
{جَزَاءُ}: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف؛ والجزاء المكافأة والمقابلة على العمل بالعدل أو الفضل.
{الْإِحْسَانِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ وهو مصدر أحسن، والمراد به إحسان العبد في العمل بطاعة ربه.
{إِلَّا}: أداة حصر وإلغاء واستثناء مفرغ.
{الْإِحْسَانُ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ والمراد به إحسان الله تعالى إلى عبده بالثواب والتنعيم والرضوان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم موقع هذه الآية الفذة في ختام أوصاف الجنتين!
بدأت الآيات بوصف المحل والسبب: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}.
وفصلت فنون النعيم من الأفنان، والعيون، والزوجين من كل فاكهة، والفرش، وقاصرات الطرف، والياقوت والمرجان.
ثم عللت هذا الفيض العظيم بهذه القاعدة الفذة: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}!
ليعلم كل مؤمن أن هذا الكرم ليس تفضلاً مجرداً عن الحكمة، بل هو وفاء إلهي بالعهد؛ فالله شكور لا يضيع أجر المحسنين: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عموم مبدأ مقابلة الإحسان بالإحسان واستيعابه:
هذه القاعدة القرآنية تمثل قمة النبل الأخلاقي والإنساني والتشريعي:
مع الله: الله أحسن إليك بالإيجاد والرزق والبيان والهداية، فحق عليك أن تحسن في عبادته وطاعته وشكره.
من الله للعبد: إذا أحسن العبد في طاعة ربه، فإن الله الشكور المحسن يفيض عليه من إحسانه جنات ونعيماً ورضواناً لا ينفد.
بين العباد: من أحسن إليك بمعروف أو يد بيضاء فمن اللؤم والجحود أن تقابله بالإساءة، بل الواجب مقابلة الإحسان بالإحسان أو الدعاء له والوفاء بحقه.
التوافق مع حديث جبريل في مرتبة الإحسان: الإحسان هو أعلى مراتب الدين: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»؛ فلما كان أصحاب الجنتين الأوليين من أهل هذه المرتبة العالية استحقوا الإحسان الأوفى من ربهم.
أسلوب القصر والحصر بـ(هل وإلا): نفي واستثناء مفرغ يفيد الحصر القاطع؛ أي لا جزاء يليق بالإحسان ولا يمكن أن يكون إلا الإحسان؛ مما يملأ القلب طمأنينة ويقيناً بعدالة الله وكرمه.
الجناس الاشتقاقي والمطابقة اللفظية بين {الْإِحْسَانِ} و{الْإِحْسَانُ}: رد العجز على الصدر في غاية الإيجاز؛ كلمتان تكررتا بلفظ واحد واختلفتا في الرتبة؛ فالأولى طاعة بشرية محدودة، والثانية فضل إلهي سرمدي لا يحد.
الإشارة التدبرية: عامل ربك بالإحسان في صلاتك وأخلاقك ومعاملتك لخلقه، وثق بأنه سبحانه أكرم الأكرمين؛ فما فتح عبد باب إحسان إلا فتح الله له أبواب رحمته وفضله في الدنيا والآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجويد العمل وإتقانه: استشعار مراقبة الله في كل عمل ديني ودنيوي؛ فإن الله كتب الإحسان على كل شيء.
حسن الظن واليقين بعطاء الله: ألا يقلق المؤمن على أجر عمله ولا يبتئس من جحود الناس لإحسانه؛ فإذا جحدك أهل الأرض فإن ربك المحسن الشكور يجزيك بالجنتين ومقعد الصدق.