تأتي هذه الآية لتتوج نعم التكوين البشري بأجل ميزة اختص بها الإنسان عن سائر المخلوقات؛ وهي نعمة النطق والإفصاح والبيان عما يجول في الضمير.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٣)مصدر غير محدد٢٣/٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}: قال: علمه النطق والكلام، والتبيين عما في نفسه، وتفهيم غيره بما يريد، وتمييز الخير من الشر، والهدى من الضلال، والحلال من الحرام.
وذكر ابن كثير (ج ٧، ص ٤٦١)مصدر غير محدد٧/٤٦١: البيان: هو المنطق الفصيح والتعبير الصادق عما في الضمير؛ ميز الله به بني آدم على سائر الحيوانات العجم التي لا تقدر على الإبانة عما في نفوسها ولا تفهم دقائق المعاني، فركب الله في الإنسان اللسان والشفتين والأسنان والحنجرة وأودعه القدرة على تصريف الحروف ونظم المعاني.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٢)مصدر غير محدد١٧/١١٢: البيان يعم وجوه الإبانة الأربعة التي تقوم بها مصالح الإنسان: اللفظ باللسان، والخط بالقلم، والإشارة بالجوارح، والعقد بالقلب؛ فكل ذلك داخل في تعليم البيان؛ ومن أعظم البيان ما أفاضه الله على الأنبياء من الحكمة وفصل الخطاب.
وفي التحرير والتنوير: البيان كمال للعقل والنطق؛ لأن الفكرة إذا لم تبرز في قالب بياني واضح بقيت حبيسة النفس ولم تتعد نفعها إلى الغير، فبتعليم البيان انتظمت المجتمعات وتناقلت المعارف والعلوم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{عَلَّمَهُ}: علم فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على {الرَّحْمَٰنُ}، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول يعود على الإنسان.
{الْبَيَانَ}: مفعول به ثان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ والبيان مصدر بان الشيء يبين إذا ظهر واتضح، أو هو اسم لمعنى الإبانة والتوضيح.
والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو خبر ثالث للمبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فانظر كيف بدأت بالتعليم وختمت بالتعليم! بدأت بتعليم القرآن، وختمت بتعليم البيان؛ ليكون البيان خادماً للقرآن، وليكون لسان الإنسان ناطقاً بالحق داعياً إلى الله مبيناً لشريعته!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز العصبي واللغوي في ظاهرة النطق البشري:
الحيوانات تشترك مع الإنسان في بعض أجهزة التصويت، ولكن لا يملك أي حيوان القدرة على تركيب الجمل التوليدية المعقدة ونقل المفاهيم المجردة وفلسفة المعاني كالإنسان.
هذا المركز اللغوي العصبي الفريد في دماغ الإنسان شاهد قطعي على أن اللغة ليست مجرد أصوات مكتسبة صدفة، بل هي منحة وتعليم إلهي مسبق: {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}، كما قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}.
دفع شبهة استخدام البيان في الباطل:
كون بعض الناس يسخر البيان في السحر والجدال وتزييف الحقائق لا يقدح في كون البيان نعمة كبرى؛ فالنعمة تختبر بها النفوس، وسوء استخدام المنحة الإلهية جناية من العبد يُحاسب عليها.
رد العجز على الصدر: التقابل الموسيقي والدلالي بين {عَلَّمَ الْقُرْآنَ} و{عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}، حيث تكرر فعل التعليم ليقرر أن الإنسان يولد جاهلاً لا يعلم شيئاً، والله هو الذي يفيض عليه العلم بياناً وتلاوة.
تعريف {الْبَيَانَ}: للجنس والكمال؛ أي علمه جنس البيان التام الذي تبين به الحقائق وتتمايز به المعاني.
الإشارة التدبرية: البيان سلاح ذو حدين؛ فإذا كان من علمك البيان هو الرحمن، فليكن بيانك رحمة وصدقاً وهداية ونصحاً، وإياك أن تستخدم البيان الذي وهبك إياه الرحمن في التكذيب بآياته أو الطعن في أوليائه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة اللسان واستعماله في الخير: تسخير نعمة البيان في تلاوة القرآن، وذكر الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكلمة الطيبة التي تثمر في القلوب.