تكشف هذه الآية الكريمة عن سر الاستغناء عن السؤال اللفظي في ذلك الموقف؛ حيث تظهر العلامات والسيماء الفاضحة على وجوه وأجساد المجرمين، وتتناوشهم ملائكة العذاب بالأخذ العنيف المهين.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٢٨)مصدر غير محدد٢٣/٢٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن في قوله تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ}: قال: السيماء: العلامة الظاهرة؛ يعرفون بسواد الوجوه، وزرقة العيون، وكلوح الأبدان، وكسوف الهيئات؛ كما قال تعالى: {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا}، وقال: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ}؛ ويعرف المؤمنون بسيماهم: بنور الوضوء وبياض الوجوه وإشراقها: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ}.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٧١)مصدر غير محدد٧/٤٧١: {فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ}: أي تجمع الزبانية بين ناصية المجرم وقدميه؛ فتثنى ناصيته (شعر مقدم رأسه) إلى قدميه بالسلاسل والأغلال من وراء ظهره، ثم يُسحب ويكب على وجهه في النار؛ وقيل: تأخذ طائفة من الملائكة بناصيته وطائفة بقدميه فيكسرونه ويلقونه في الجحيم كالحطب؛ فذلك غاية الإهانة والفظاعة.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣١)مصدر غير محدد١٧/١٣١: النواصي: جمع ناصية وهي مقدم الرأس؛ والأقدام جمع قدم؛ وأخذهم بالنواصي والأقدام للدلالة على كمال القهر والغلبة؛ فالناصية مجمع كبرياء الإنسان، والقدمان ركيزة وقوفه وحركته؛ فجمعهما معاً سلب كامل لأي قدرة على الحركة أو الدفاع، وقمة الإذلال لمن استكبر في الدنيا عن السجود لله.
وفي التحرير والتنوير: الفاء في {فَيُؤْخَذُ} تفيد التعقيب الفوري دون مهلة ولا تراخٍ؛ فبمجرد معرفة سيماهم تنقض عليهم الزبانية فيؤخذون إلى النار فوراً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُعْرَفُ}: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله (مبني للمجهول) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وبناؤه للمجهول للدلالة على أن سيماهم بادية لكل راءٍ لا تخفى على ملائكة ولا على أحد من الخلائق.
{الْمُجْرِمُونَ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد؛ والإجرام كسب السيئات العظام والشرك والتكذيب.
{بِسِيمَاهُمْ}: الباء حرف جر للسببية والملابسة، سيما اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف للتعذر وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه والميم للجمع؛ والسيما العلامة الظاهرة المميزة (أصلها من وسم، وقيل مقلوب من وسمت سمة وسيماء).
{فَيُؤْخَذُ}: الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب والسببية، يؤخذ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو، أو نائب الفاعل هو الجار والمجرور {بِالنَّوَاصِي} في محل رفع.
{بِالنَّوَاصِي}: الباء حرف جر للإلصاق، النواصي اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة المقدرة على الياء للثقل؛ والنواصي جمع ناصية وهي مقدم شعر الرأس.
{وَالْأَقْدَامِ}: الواو حرف عطف، الأقدام معطوف على النواصي مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا الإحكام والعدل الإلهي في الجزاء من جنس العمل!
المجرمون في الدنيا رفعوا نواصيهم ورؤوسهم استكباراً وعتواً، ومشوا بأقدامهم في الفساد والظلم ومحاربة أولياء الله.
فجاء الجزاء في الآخرة مطابقاً لجرمهم: فتؤخذ هذه النواصي المرتفعة كبراً فتكسر وتطوى إلى تلك الأقدام التي سعت في الشر، ويلقون في النار سحباً!
الربط مع سورة القمر السابقة: في القمر قال تعالى: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ}، وهنا يبين كيفية السحب والجر: {فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ}! فيتكامل المشهدان في كمال الإهانة والفظاعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة السيماء وظهور آثار العقائد على الأجساد:
النفس البشرية تنعكس أفكارها ونياتها على ملامح الوجه في الدنيا، فكيف في دار الآخرة التي هي دار انكشاف الحقائق؟
فسوء المعتقد والظلم والإجرام يستحيل في الآخرة سواداً وظلمة وكسوفاً في الوجه؛ بينما الإيمان والطهارة والوضوء يستحيل نوراً وبياضاً وإشراقاً، كما في الحديث الصحيح: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ» (متفق عليه).
سرعة الحساب والقبض على المجرمين: لا يحتاج المشهد إلى مطاردة ولا تفتيش؛ فالسيماء واضحة، والأخذ مباشر لا يدع مجالاً للإنكار.
التصوير الحركي الصاعق في {فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ}: مشهد يقشعر منه الوجدان؛ كأن السامع يرى الهيكل العظمي للمجرم يلوى وينثني فتضم هامته إلى أقدامه بالسلاسل ثم يقذف في قعر الجحيم.
الجمع بين الطرفين الأقصيين (الناصية في أعلى الجسد، والقدم في أسفله): استيعاب لكامل جسد الإنسان؛ فلا يبقى منه عضو إلا وهو مقيد مأخوذ بقهر الزبانية.
الإشارة التدبرية: الناصية التي لم تسجد لله طائعة في الدنيا خاشعة ذليلة، ستؤخذ وتجر مقهورة في الآخرة إلى النار؛ فطوبى لمن عفر ناصيته بالتراب لربه في ظلمات الليالي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إدامة السجود وإشراق الوجه بالطاعة: المحافظة على الوضوء والصلاة والذكر ليكون العبد من الغر المحجلين ذوي السيماء النيرة يوم القيامة.
التحذير من صفات الإجرام والاستكبار: كسر النفس بالتواضع ولين الجانب للمؤمنين؛ فإن الكبر هو أصل الإجرام المفضي إلى الأخذ بالنواصي.
الخوف والوجل من الفضيحة على رؤوس الأشهاد: سؤال الله الستر والعافية والمغفرة؛ لئلا يفضح العبد بسيماء أهل النار والعياذ بالله.