قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الحور: البيض العيون، الشديدات سواد العين وبياضها؛ مقصورات: محبوسات قد قصرن على أزواجهن لا يردن غيرهم، في خيام اللؤلؤ».
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا».
قال مجاهد: «مقصورات: أي محجوبات مصونات محبوسات في خيامهن، لا يخرجن تكرماً وصيانة».
قال الحافظ ابن كثير: «الخيام هنا خيام اللؤلؤ المجوف، وتلك الخيام أكنان وقصور في غاية الاتساع والارتفاع والفخامة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{حُورٌ}: مبتدأ مؤخر لخبر محذوف تقديره (هن حور)، أو خبر لمبتدأ محذوف، أو بدل من {خَيْرَاتٌ} مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
الحَوْر في اللغة: شدة بياض بياض العين مع شدة سواد سوادها واستدارته ورقّة جفونها.
مقصورات اسم مفعول من القَصْر، وهو الحبس والصيانة، أي: قُصرن في البيوت وحُجبن عن الأعين صيانة لهن؛ أو قصرن أنفسهن على أزواجهن.
{فِي}: حرف جر للظرفية.
{الْخِيَامِ}: اسم مجرور بفي وعلامة جره الكسرة، والجار والمجرور متعلق بمقصورات؛ والخيام جمع خَيْمَة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة بين {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} و{مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ}:
الأولى: استعمل اسم الفاعل {قَاصِرَاتُ}، فالفعل صادر منهن طوعاً ورغبة ومحبة وقصراً لأبصارهن على أزواجهن، وذلك شأن نساء المقربين.
الثانية: استعمل اسم المفعول {مَقْصُورَاتٌ}، أي أحيطن بالصيانة والستر والحفظ والتكريم في الخيام، وذلك شأن نساء أصحاب اليمين.
وكلا الوصفين دال على قمة العفة والشرف؛ فالمرأة الحرة الكريمة تكون مصونة في خدرها وخيمتها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل الخيام تعني مساكن البدو المتواضعة من الشعر والوبر؟
الجواب: معاذ الله؛ إنما سميت خياماً لمشاكلتها في الشكل والانفتاح، ولكنها خيام من لؤلؤ مجوف كما نص الحديث الصحيح؛ طولها ستون ميلاً في السماء، تتلألأ بأنوار الجنة والذهب والزمرد، فالاسم يوافق الاسم في الدنيا ولكن الحقيقة أبعد ما تكون عن خيام الفناء.
فضيلة لزوم المرأة لبيتها:
مدح الله نساء الجنة بكونهن {مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ}، فدل على أن صيانة المرأة وقرارها في بيتها ستر وعفاف وتكريم لها، وليس نقصاً أو تقييداً لحريتها كما يروج أهل الأهواء.