بعد أن ذكر تمهيد الأرض للأنام، شرع في تفصيل ما أودعه الله فيها من الأرزاق والأقوات والملذات، مقدماً ما يتفكه به ويتلذذ على ما يقتات به.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٨)مصدر غير محدد٢٣/٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {فِيهَا فَاكِهَةٌ}: قال: ألوان الثمار التي يتفكه بها الإنسان من عنب وتين ورمان وتفاح وغيرها؛ {وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ}: قال: الأكمام: أوعية الطلع وغلف الثمر التي ينشق عنها القنو؛ وقيل: أكمامها ليفها وكربها الذي يستر جذوعها وطلعها.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٢)مصدر غير محدد٧/٤٦٢: يذكر تعالى ما امتن به على عباده في الأرض من أصناف الفواكه المتنوعة ألوانها وطعومها وروائحها، وخص النخل بالذكر لشرفه وفضله ونفعه العظيم رطباً ويابساً، ووصفها بأنها {ذَاتُ الْأَكْمَامِ} وهو الكافور والوعاء الذي يخرج منه القنو ثم ينشق عن العرجون المثمر بالعناقيد.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٦)مصدر غير محدد١٧/١١٦: الكم: كل ما غطى وستر؛ فكم الثمرة غلافها الذي تنشأ فيه صيانة لها من الحر والبرد والآفات حتى تستوي؛ وخص النخل بعد الفاكهة تخصيصاً لشرفه، وهو عطف خاص على عام؛ لأن النخل شجرة مباركة شبهها النبي ﷺ بالمؤمن لكثرة منافعها وظلها وثمارها.
وفي التحرير والتنوير: تقديم الفاكهة يشير إلى أن الأرض لم تخلق لمجرد سد الرمق وحفظ الحياة بالخبز والماء، بل جعل الله فيها لذائذ ومتعاً يتفكه بها الإنسان تكرماً من الرحمن وإيناساً للنفوس.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فِيهَا}: في حرف جر، و(ها) ضمير متصل مبني في محل جر بفي يعود على الأرض، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{فَاكِهَةٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ والفاكهة ما يتلذذ به من الثمار ولا يقتات به للضرورة غالباً.
{وَالنَّخْلُ}: الواو حرف عطف، النخل معطوف على فاكهة مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو اسم جنس جمعي مفرده نخلة.
{ذَاتُ}: نعت للنخل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف؛ وأفرد الوصف لأن النخل يعامل معاملة المفرد أو الجماعة المؤنثة.
{الْأَكْمَامِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والأكمام جمع كِمّ (بكسر الكاف)، وهو غلاف الطلع والوعاء الحافظ للثمرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فاستوعب القرآن جميع احتياجات المخلوقات من الغذاء واللذة والطيب والعلف؛ ليكون الامتنان تاماً مستقصياً لكل جوانب المعاش.
عطف النخل على الفاكهة: النخل ثمره فاكهة وغذاء وقوت وحلوى ودواء؛ فجمعت النخلة بين صفات الفاكهة وصفات القوت الأساسي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز النباتي في غلف الثمار (الأكمام):
خروج طلع النخل في أكمام محكمة يحمي الأزهار وثمار البلح والبلح الصغير من التيارات الهوائية الجافة وتقلبات الحرارة وغبار الرياح والآفات الحشرية في مراحله الأولى حتى يشتد عوده.
هذا التصميم الذكي للغلاف الواقي دليل قطعي على عناية الخالق ورحمته؛ فالنخلة لا تصنع غلافها بذكائها، بل بتقدير الرحمن: {ذَاتُ الْأَكْمَامِ}.
تعدد أصناف الفواكه مع سقاية واحدة:
الماء واحد، والتراب واحد، وتخرج آلاف الأصناف من الفواكه المتفاوتة في الطعم واللون والرائحة والقيمة الغذائية؛ وهذا أعظم برهان عقلي على وجود الفاعل المختار الذي يفضل بعضها على بعض في الأكل: {يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
تنكير {فَاكِهَةٌ}: تنكير للنوعية والتعظيم؛ أي فنون وأصناف لا تحصى من الفواكه واللذائذ.
التعبير بـ{ذَاتُ الْأَكْمَامِ}: إبراز لجمال الصنعة وهيئة الشجرة المباركة في وقت طلوع ثمارها؛ مما يمتع النظر ويثير البهجة في النفوس.
الإشارة التدبرية: إذا كانت هذه ثمار الأرض وفواكهها في دار الابتلاء الممزوجة بالتعب والزوال، فكيف بفواكه الجنة وثمارها الدانية التي قطوفها دانية لا مقطوعة ولا ممنوعة؟
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر النعم عند تذوق الثمار: التسمية عند الأكل والحمد عند الفراغ، واستشعار فضل الله الذي أخرج من الأرض الميتة هذه الثمار الشهية العذبة.
التوسع في زراعة النخيل واستصلاح الأراضي: العمل بوصية النبي ﷺ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ» (مسند أحمد: ١٢٩٠٢).
كرم النفس ومواساة المحتاجين: إخراج زكاة الثمار والصدقة منها يوم حصادها وجذاذها امتثالاً لأمر الله: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}.