التكرار السابع للازمة القرآنية العظمى في السورة؛ وهو أول مواضع التكرار في المقطع الثاني الذي يقرر حقائق الفناء والبقاء والافتقار الكوني.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٢١)مصدر غير محدد٢٣/٢١ عن قتادة: يقول: فبأي نعم ربكما يا معشر الإنس والجن تكذبان؟ أبهذه النعمة في فنائكم ثم بعثكم للجزاء، وبقاء ربكم الحي الذي لا يموت ليفيض عليكم من كرامته في دار البقاء؟
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٧)مصدر غير محدد٧/٤٦٧: قد يتساءل متسائل: كيف يكون الفناء نعمة حتى يقال عقبه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟
والجواب البياني التحقيقي: أن الفناء من أجلّ النعم والآلاء؛ لأنه نهاية دار الابتلاء والآلام والأكدار، وبوابة الانتقال إلى دار النعيم المقيم والخلود الأبدي للمؤمنين؛ ولأنه السبيل إلى إقامة موازين القسط ومحاسبة الظلمة وإنصاف المظلومين؛ فلو خلد الناس في دار الدنيا لضاقت بهم الأرض، ولتأبد ظلم الجبابرة، ولحُرم المؤمنون من نعيم الجنة وجوار الرحمن!
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢٥)مصدر غير محدد١٧/١٢٥: التسوية بين الخلائق في الموت نعمة، ونقلهم إلى دار الجزاء نعمة، وتنبيههم على الفناء ليتزودوا بالصالحات نعمة كبرى؛ فكان التذكير بالآلاء في موضعه الأتم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَبِأَيِّ}: الفاء فصيحة، الباء حرف جر، أي اسم استفهام مجرور متعلق بتكذبان وهو مضاف.
{آلَاءِ}: مضاف إليه مجرور وهو مضاف.
{رَبِّكُمَا}: رب مضاف إليه وهو مضاف والكاف ضمير متصل والميم والألف للتثنية (الثقلان).
{تُكَذِّبَانِ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والفاعل ألف الاثنين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع مجيء هذه الآية بعد آيتي الفناء والبقاء!
قررت الآيتان أعظم ميزان وجودي: فناء الخلق، وبقاء الخالق ذي الجلال والإكرام.
فتوجه السؤال فوراً: هل تجحدان عدل الفناء، أم تجحدان فضل البقاء، أم تكذبان بما أعده ذو الجلال والإكرام لأهل طاعته؟
فيكون السؤال هادماً لكل اعتراض، ومثبتاً لكمال الحكمة الإلهية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الموت والابتلاء من منظور الحكمة الكلية:
يرى أصحاب النظرة المادية القاصرة الموت شراً مطلقاً ومصيبة محضة.
وتكشف الآية الكريمة النظرة الحكيمة: الموت ليس عدماً نهائياً، بل هو نقلة مرحلية ضرورية لاكتمال العدالة وبلوغ الغاية الوجودية العظمى؛ فكان من الآلاء التي يستوجب التحذير منها شكر المنعم والاستعداد للقائه.
التحول الدلالي في مفهوم الآلاء: الانتقال من تعداد النعم الحسية (الطعام، المراكب، الحلي) إلى النعم الوجودية العقدية (التسوية بالموت، وبقاء وجه الرب الكريم) يوسع مدارك العبد ليرى ألطاف الله ونعمه حتى في أشد الأقدار إيلاماً في الظاهر.
الإشارة التدبرية: استشعار العبد أن بقاء الله هو الملجأ الوحيد؛ فإذا مات الأحباب، وزالت الأموال، وفنيت الممالك، بقي الله لك؛ فنعم الرب الباقي ربنا!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الرضا بالموت واليقين بعدالة الحساب: التسليم لقضاء الله في الآجال، والصبر عند نزول المصائب، واستحضار أن الفناء سنة ماضية في الجميع.