تصور هذه الآية الكريمة مشهداً كونياً بالغ الجلال والافتقار؛ حيث تقف جميع الخلائق في السماوات والأرض على باب الغني الحميد، تسأله حاجاتها وتستجدي فضله، بينما يدبر الملكوت بحركة دائمة لا تتوقف وشؤون متجددة في كل لحظة.
روى الإمام أحمد، وابن ماجه في سننه (المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، حديث رقم ٢٠٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٢، وابن حبان، والحاكم وصححه، عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي ﷺ في قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}: قَالَ: «مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، وَيُفَرِّجَ كَرْبًا، وَيَرْفَعَ قَوْمًا، وَيَضَعَ آخَرِينَ».
وروى الطبري (ج ٢٣، ص ٢١)مصدر غير محدد٢٣/٢١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: قال: يسأله أهل السماوات الرحمة والمغفرة والدوام على الطاعة، ويسأله أهل الأرض الرزق، والمغفرة، والشفاء، والنصر، وتفريج الهموم؛ لا يستغني عنه مخلوق طرفة عين؛ {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}: قال: شأنه سبحانه أنه يجيب داعياً، ويعطي سائلاً، ويفك عانياً، ويشفي مريضاً، ويحيي ميتاً، ويميت حياً، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٧)مصدر غير محدد٧/٤٦٧: يخبر تعالى عن غناه عما سواه، وفقر الخلائق بأسرها إليه في جميع الحالات؛ فهم يسألونه بلسان المقال ولسان الحال؛ ولا يشغله شأن عن شأن، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، فكل يوم -وهو وقت من أوقات الدهر ولحظاته- له شؤون يقضيها في ملكوته.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢٥)مصدر غير محدد١٧/١٢٥: اليوم هنا ليس مقصوداً به نهار الدنيا من طلوع الشمس إلى غروبها، بل هو عبارة عن الأوقات واللحظات والآنات؛ ففي كل لحظة وطرفة عين لله شؤون يبديها ولا يبتديها؛ يرفع أقواماً ويخفض آخرين، ويدبر أمر السماوات والأرض.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَسْأَلُهُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول مقدم.
{مَنْ}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل مؤخر؛ والمراد به جميع الخلائق من الملائكة والإنس والجن والدواب.
{وَالْأَرْضِ}: الواو حرف عطف، الأرض معطوف على السماوات مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والمفعول الثاني ليسأل محذوف تقديره (يسألونه حوائجهم ومصالحهم وأرزاقهم).
{كُلَّ}: ظرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، متعلق بمحذوف خبر مقدم أو متعلق بـ(شأن) أو بالفعل هو في شأن.
{يَوْمٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{هُوَ}: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{فِي شَأْنٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ (هو)، والجملة الاسمية مستأنفة مقررة لعظمة التدبير الإلهي؛ والشأن هو الأمر والخطب العظيم والتدبير.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم الارتباط بين صفات الله في هذا المقطع!
في الآية (٢٧) قرر بقاء وجهه متصفاً بـ{ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}.
وهنا في الآية (٢٩) يبين كيف يتجلى هذا الجلال والإكرام في تدبير الكون:
فالخلائق كلها عاجزة فقيرة تسأله بكرة وعشياً.
وهو سبحانه الغني الكريم المقتدر المتصرف في شؤونهم بالعطاء والمنع، والخفض والرفع، والإحياء والإماتة.
التعبير بالفعلين المضارعين {يَسْأَلُهُ} و{هُوَ فِي شَأْنٍ}: يفيد التجدد والاستمرار الدائم الذي لا ينقطع أبداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على مقالة الفلاسفة واليهود في سكون الإله:
زعمت بعض الفلسفات الوثنية القديمة أن الله خلق الكون ثم تركه يدور بذاته دون تدخل؛ وقالت اليهود: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} وزعموا أنه فرغ من الأمر واستراح يوم السبت!
فجاءت الآية لتدك هذه الخرافات: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}؛ فالكون في كل جزء من الثانية محتاج إلى إمداد الخالق وقيوميته لحفظ ذراته ومداراته وإجراء أرزاقه؛ فلو انقطع الإمداد الإلهي لحظة واحدة لانهار الوجود بأسره.
الجمع بين علمه السابق وقضائه المتجدد:
قال أئمة التفسير: شؤون يبديها ولا يبتديها؛ أي يظهرها في أوقاتها المقدرة في اللوح المحفوظ؛ فالتجدد في ظهور المشيئة ونفاذها في المخلوقات، لا في حدوث علم جديد لم يكن يعلمه سبحانه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
عموم الموصول {مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: يشمل الملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين، والملوك والجبابرة، وسائر الإنس والجن، والحيوان؛ فالجميع في مقام السؤال والافتقار صاغرون على بابه.
تنكير {شَأْنٍ}: للتعظيم والتنوع؛ أي في شؤون عظام وأقدار جليلة لا يحصيها إلا هو.
الإشارة التدبرية: لا تيأس إذا تعقدت أمورك وأغلقت الأبواب في وجهك؛ فإن ربك {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}؛ يغير من حال إلى حال في لحظة واحدة: يغني فقيراً، ويعافي مبتلى، ويفرج هماً؛ فاستمر في السؤال وقرع الباب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
دوام الافتقار والدعاء والتضرع: أن يعلم العبد أنه لا غنى له عن ربه طرفة عين؛ فيسأله في كل صغيرة وكبيرة، حتى شسع نعله وملح طعامه.
التفاؤل واليقين بزوال الكروب: طمأنة النفس بتقلبات الأيام بحكمة الله؛ فدوام الحال من المحال، والذي يدبر الشؤون قادر على تبديل العسر يسراً.
عدم التعلق بالمخلوقين: إدراك أن المخلوقين كلهم سائلون فقراء مثلك؛ فالعاقل لا يسأل فقيراً عاجزاً، بل يسأل الغني القادر الذي بيده مقاليد السماوات والأرض.