تأتي هذه الآية الكريمة بياناً للعقوبة الرادعة والمصير المحتوم الذي ينتظر الثقلين (الإنس والجن) إن حاولا التمرد أو الفرار من قبضة القضاء الإلهي في صعيد المحشر.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٢٤)مصدر غير محدد٢٣/٢٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ}: قال: الشواظ: هو لهب النار الخالص الذي لا دخان فيه؛ والنحاس: هو الدخان الخالص الذي لا لهب فيه؛ فإذا حاول الجن والإنس الفرار من المحشر رموا باللهب الخالص والدخان الخانق، فلا يستطيعون فراراً.
وروى أيضاً عن مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير: الشواظ لهب النار، والنحاس هو الصفر المذاب (النحاس المعدني المغلي) يصب على رؤوسهم ليعيدهم إلى مواقف الحساب؛ وقيل: النحاس هو الدخان الكثيف المظلم؛ {فَلَا تَنتَصِرَانِ} أي لا تمتنعان من عذاب الله، ولا ينصركم ناصر يدفع عنكم هذا البأس.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٩)مصدر غير محدد٧/٤٦٩: يخبر تعالى عما يعاقب به من تمرد على أمره؛ فلو رام أحد من الإنس أو الجن النفاذ والهرب، أرسلت عليه الملائكة لهب النار الأخضر والأصفر وشهب العذاب والدخان الكثيف، فلا يقدر على دفع ذلك عن نفسه ولا يجد له عوناً؛ كما قال تعالى: {وَإِذَا أَلْقَوْا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢٨)مصدر غير محدد١٧/١٢٨: قرأ ابن كثير: {وَنُحَاسٍ} بالجر عطفاً على {نَّارٍ}؛ أي شواظ من نار ومن نحاس؛ وقرأ باقي القراء العشرة: {وَنُحَاسٌ} بالرفع عطفاً على {شُوَاظٌ}؛ أي يرسل عليكما شواظ من نار، ويرسل نحاس؛ وكلتا القراءتين حق تدل على تنوع ألوان العذاب المنصب على المتمردين.
وفي التحرير والتنوير: نفي الانتصار {فَلَا تَنتَصِرَانِ} نفي للقوة الذاتية (الامتناع) ونفي للعون الخارجي (النصرة من الغير)؛ فالثقلان في منتهى العجز والهوان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُرْسَلُ}: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله (مبني للمجهول) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وبناؤه للمجهول للدلالة على نزول العذاب من كل صقع بأمر الجبار.
{عَلَيْكُمَا}: على حرف جر، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر بعلى والميم والألف للتثنية، والجار والمجرور متعلق بالفعل يرسل.
{شُوَاظٌ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ والشواظ في كلام العرب هو لهب النار الذي لا دخان فيه.
{مِّن نَّارٍ}: جار ومجرور متعلق بنعت محذوف لشواظ.
{وَنُحَاسٌ}: الواو حرف عطف، نحاس معطوف على شواظ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة (على قراءة الجمهور بالرفع)، وهو الدخان الكثيف أو الصفر المذاب. وعلى قراءة ابن كثير بالجر {وَنُحَاسٍ} معطوف على نار.
{فَلَا}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسببية، لا نافية مهملة.
{تَنتَصِرَانِ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل يعود على الثقلين؛ والانتصار هنا الامتناع والدفاع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا الإحكام النظمي والترتيب الصارم!
في الآية (٣٣) تحداهما: {إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا... فَانفُذُوا}.
ثم في الآية (٣٥) بين ما يصيبهما إن حاولا تنفيذ هذا النفاذ والفرار: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ}!
فيتحول مشهد التحدي إلى مشهد حصار مطبق بالنيران والدخان والنحاس المذاب، لتغلق جميع المنافذ ويساق الجميع إلى موازين العدل صاغرين.
الجمع بين الشواظ (النار المضيئة الحارقة) والنحاس (الدخان المظلم الخانق): جمع بين ألم الاحتراق بالحميم وألم الاختناق والعمى بالدخان؛ فلا يجد الفاسق متنفساً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز في خواص اللهب والدخان الحارق:
التعبير بالشواظ والنحاس يصف بدقة أشد درجات الاحتراق؛ فالنار إذا كانت بلا دخان دلت على وصول حرارتها إلى درجات قياسية فائقة في الاشتعال، والدخان إذا انفصل كان خانقاً ساماً يقطع الأنفاس.
واجتماع هذين العنصرين في عقاب المتمردين برهان على الإحاطة التامة التي تقطع كل أمل في الصمود.
عدالة العقوبة للمتمردين: هذا الإرسال لا ينزل إلا بمن حاول التمرد والاستكبار والهروب من ساحة العدل الإلهي؛ فالعقوبة جزاء وفاق لما كسبت أيديهم في الدنيا من الجحود والعتو.
التقابل اللوني والحسي: مقابلة الشواظ (ألسنة اللهب النارية الساطعة) بالنحاس (سحب الدخان السوداء الكثيفة)؛ لوحة حسية مروعة تملأ القلوب رهبة من عذاب الله.
التعبير بـ{فَلَا تَنتَصِرَانِ}: نفي لصفة العزة والمنعة التي كان يتبجح بها كفار الإنس والجن في الدنيا حين قالوا: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ}؛ فها هم يقفون عاجزين لا ينصرهم أحد.
الإشارة التدبرية: إذا كانت أدوات الفرار في المحشر ترتد على أصحابها شواظاً ونحاساً، فاعلم أنه لا نجاة من عذاب الله إلا بالإيمان والعمل الصالح الذي يجعلك في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف من أهوال القيامة وجهنم: استحضار عذاب الله والاستعاذة الدائمة من النار في دبر كل صلاة.