روى الطبري في تفسيره (ج ٢٣، ص ٨٥)مصدر غير محدد٢٣/٨٥ بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نخل الجنة جذوعها من زمرد أخضر، وكربها ذهب أحمر، وسَعَفُها كِسْوَةٌ لأهل الجنة، منها مقطعاتهم وحللهم، وثمرها أمثال القلال والدلاء، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، ليس فيه عجم (أي نوى)».
وقال قتادة: «ذكر النخل والرمان لفضلهما وشرفهما على سائر الفواكه؛ فالنخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء».
قال الحافظ ابن كثير: «عطف النخل والرمان على الفاكهة من باب عطف الخاص على العام لشرفهما وفضلهما ومكانتهما».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَنَخْلٌ}: الواو حرف عطف، نخل معطوف على فاكهة مرفوع بالضمة الظاهرة.
{وَرُمَّانٌ}: الواو حرف عطف، رمان معطوف مرفوع بالضمة الظاهرة.
المسألة الأصولية والفقهية الشهيرة:
هل النخل والرمان داخلان في مسمى الفاكهة لغة وشرعاً؟
مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله: أنهما ليسا من الفاكهة، واحتج بعطفهما عليها في هذه الآية، لأن العطف يقتضي المغايرة؛ وبناء عليه لو حلف رجل: "لا آكل فاكهة"، فأكل تمراً أو رماناً، لم يحنث عنده!
مذهب جمهور العلماء وأهل اللغة (مالك والشافعي وأحمد وسائر النحاة): أنهما من أشرف الفواكه، وعطفهما هنا هو من باب (عطف الخاص على العام) اعتناءً بهما وإظهاراً لمزيتهما وفضلهما، كقوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}، فجبريل وميكائيل من الملائكة قطعاً وعطفا تشريفاً لهما؛ فلو حلف لا يأكل فاكهة فأكل تمراً حنث عند الجمهور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقارنة البلاغية بين فاكهة الجنتين الأوليين والأخريين:
في الأوليين قال: {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ}؛ فاستغرق جميع أنواع الفواكه بلا استثناء، وجعل من كل نوع صنفين مضاعفين في الجودة والحسن.
وفي الأخريين قال: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}؛ فنكر الفاكهة للدلالة على الكثرة، وخص النخل والرمان بالذكر لفضيلتهما، وهذا دال على رفعة الجنتين الأوليين على الأخريين؛ فالأولى فيها استقصاء الأزواج من كل صنف، وهنا عموم الفاكهة مع تمييز النخل والرمان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة تخصيص النخل والرمان بالذكر:
النخل أصل التغذية والقوت والحلاوة، وثمره جامع بين القوت والفاكهة والحلوى، وشجرته أشبه الأشجار بالمؤمن كما صح في الحديث.
والرمان جامع بين اللذة والانتعاش والطب والتفكه، وهو من أبدع الثمار منظراً وتوزيعاً للحبات في قشرته.
فجمع الله بين الأصلين اللذين يجمعان القوت والدواء واللذة الفائقة.
التنكير في {فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} يمنح الذهن اتساعاً لا متناهياً؛ فليست كثمار الدنيا في صغرها أو شوائبها، بل نخل عظيم ورمان كريم من عالم الخلود الذي لا يعتريه فساد ولا عفن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدبر في حكمة التغذية الربانية:
إشارة إلى أن الطيبات التي أباحها الله لعباده في الدنيا تكتمل وتتجرد من كل كدر في الآخرة، فليكن طعام المؤمن في الدنيا حلالاً طيباً ليظفر بطيبات دار الكرامة.