روى الترمذي وابن جرير عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سألت النبي ﷺ عن قوله: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} فقال: «خَيْرَاتُ الْأَخْلَاقِ، حِسَانُ الْوُجُوهِ».
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «خيرات: فاضلات في الأخلاق، حسان في الخلقة والجمال».
قال الحافظ ابن القيم في (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح): «جمع الله لهن بين جمال الظاهر والباطن؛ فـ(خيرات) مأخوذة من الخير، وهي المرأة الخيرة في دينها وعقلها وأدبها ومحبتها لزوجها، و(حسان) مأخوذة من الحسن في الصورة والوجه والقد واللون؛ فاكتمل لهن كمال الصفات وكمال الذوات».
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فِيهِنَّ}: في حرف جر، و(هن) ضمير متصل مبني في محل جر بفي يعود على الجنات الأربع وما اشتملت عليه من قصور ومنازل، وشبه الجملة خبر مقدم.
{خَيْرَاتٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ جمع خَيْرة (بالتخفيف) أو خَيِّرة (بالتشديد)، وهي المرأة الفاضلة الكريمة الخلق والدين.
{حِسَانٌ}: نعت لخيرات مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة بلا تنوين إذا اعتبر على صيغة منتهى الجموع، أو بتنوين {حِسَانٌ} وهو جمع حَسْنَاء أو حَسَنَة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التناسب مع ترتيب الآيات السابقة:
لما ذكر المسكن والظلال {مُدْهَامَّتَانِ}، والشراب {عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ}، والطعام {فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}، ناسب جداً أن يذكر المؤنس والزوجة الصالحة التي يطيب بها المقام: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ}، ليكتمل نعيم الإنسان بكل مقومات البهجة والسعادة.
المقارنة بين {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} و{خَيْرَاتٌ حِسَانٌ}:
في الجنتين الأوليين وصفهن بـ{قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}، وهو قمة عفة النفس وتركيز النظر على الزوج وحده، وشبههن بالياقوت والمرجان؛ وفي الأخريين وصفهن بالخيرية والحسن العام، وكلاهما غاية في الفضل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هل الخيرات الحسان هن نساء الدنيا أم الحور العين؟
الجواب: يشمل الأمرين معاً؛ فنساء الدنيا الصالحات إذا دخلن الجنة كن خيراً وأفضل من الحور العين بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن لله تعالى، ويبعثن في غاية الجمال والحسن والشباب؛ كما يشمل الحور العين اللاتي خلقهن الله لكرامة أوليائه.
تقديم صفة الخير على الحسن:
قدم القرآن {خَيْرَاتٌ} على {حِسَانٌ} لأن جمال الباطن وطيب الخلق أثبت وأدوم وأعظم أثراً في دوام العشرة والمودة من مجرد الصورة الظاهرة.