ترتقي السورة الكريمة في عرض مظاهر القدرة والرحمة؛ فتجمع في هذه الآية بين عظمة البناء الكوني في خلق السماء وسقفها المرفوع، وبين وضع الميزان الذي به صلاح الأرض والمعاش.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٦)مصدر غير محدد٢٣/٦ عن قتادة ومجاهد في قوله: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا}: قال: رفعها فوق الأرض سقفاً محفوظاً بلا عمد ترونها، وزينها بالمصابيح؛ {وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}: قال: وضع العدل في الأرض؛ أمر بالعدل وشرع الموازين والقسط ليأخذ كل ذي حق حقه.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٢)مصدر غير محدد٧/٤٦٢: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا} أي خلقها مرفوعة سامقة حسنة البناء؛ {وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} وهو العدل؛ كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٤)مصدر غير محدد١٧/١١٤: الميزان هنا فيه قولان؛ أحدهما: العدل الذي وضعه الله في قلوب عباده وشرائعه؛ والثاني: الآلة التي يوزن بها المتاع والمثاقيل؛ والقولان متلازمان، فإن وضع الآلة الحسيّة فرع من إقامة العدل المعنوي، فأنزل الله الميزان ليتعامل الناس بالقسط ولا يظلم بعضهم بعضاً.
وفي التحرير والتنوير: المناسبة بين رفع السماء ووضع الميزان أن السماء مرفوعة بالنظام المحكم المحفوظ من التفاوت؛ والميزان هو ضابط النظام البشري المحفوظ من التظالم؛ فالعدل في الأرض نظير التوازن والجاذبية في السماء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالسَّمَاءَ}: الواو عاطفة أو استئنافية، السماء مفعول به منصوب لفعل محذوف وجوباً يفسره ما بعده على باب الاشتغال (تقديره: ورفعَ السماءَ رفعها)، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{رَفَعَهَا}: رفع فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو، و(ها) ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والجملة مفسرة لا محل لها من الإعراب.
{وَوَضَعَ}: الواو حرف عطف، وضع فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
{الْمِيزَانَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ والميزان اسم آلة من الوزن مفعال (مِوْزان قُلبت الواو ياء لكسر ما قبلها)، ويطلق على العدل والإنصاف وآلة الكيل والوزن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الطباق البلاغي والنظمي بين {رَفَعَهَا} و{وَضَعَ}!
قابل الرفع بالوضع: رفع السماء في غاية العلو، ووضع الميزان في غاية الاستقرار والتمكين في الأرض.
هذا التقابل يبرز كمال الهيمنة والتدبير؛ فالذي يرفع الأجرام الهائلة في الفضاء دون أن تسقط، هو الذي وضع موازين العدل في الأرض لئلا تضطرب حياة البشر.
التمهيد لشرائع المعاملات: بعد أن ذكر نعم الخلق الكوني، انتقل إلى تنظيم السلوك البشري؛ لأن الحياة لا تستقيم بنعم الطعام والشراب وحدها إذا فُقد العدل وشاع الظلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الربط بين النظام الفيزيائي الكوني والنظام الأخلاقي الإنساني:
الكون كله مبني على التوازن الدقيق (الكتل، والمسافات، والجاذبية)؛ وأي خلل في هذا الميزان الفلكي يدمر المنظومة.
وبالمثل تماماً: المجتمع الإنساني مبني على التوازن الأخلاقي والقانوني (العدل، وإعطاء الحقوق)؛ وأي خلل في ميزان العدل يؤدي إلى انهيار الحضارات وفساد المعاش؛ فالعدل صنو الوجود.
تنزيه أفعال الله عن العبث: وضع الميزان برهان على أن الله لم يخلق الخلق سدى، ولم يتركهم هملاً، بل وضع لهم موازين القسط وحاسبهم عليها.
أسلوب الاشتغال في {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا}: يفيد الاهتمام والتوكيد وتوجيه الأنظار إلى عظمة هذا السقف المرفوع الصامد فوق الرؤوس بلا أعمدة.
الطباق البديعي بين (رَفَعَ) و(وَضَعَ): يعطي الكلام توازناً صوتياً وإيقاعاً يشنف الآذان ويوثق الترابط بين علو السماء وثبات الميزان.
الإشارة التدبرية: بالعدل قامت السماوات والأرض؛ فكل مجتمع يحكم بالقسط تدوم نعمته وترتفع مكانته كالسماء، وكل مجتمع يشيع فيه الظلم والمحاباة يسقط في مهاوي الخراب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الالتزام التام بالعدل في كل تصرف: أمر المسلم بأن يكون عادلاً في قوله وحكمه وبيعه وشرائه ومعاملته لأهله وأعدائه: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}.