التكرار الثالث والعشرون للازمة الكبرى في السورة؛ وهو مسك الختام لسياق الجنتين الأوليين العاليتين (جنتي المقربين وأهل الإحسان).
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٣٩)مصدر غير محدد٢٣/٣٩ عن قتادة ومجاهد: يقول تعالى: فبأي نعم ربكما يا معشر الإنس والجن تكذبان؟ أبهذا الإحسان العظيم والوعد الصادق بمجازاة المحسنين بأعلى درجات الكرامة والنعيم؟
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٧٤)مصدر غير محدد٧/٤٧٤: ختم الله سياق الجنتين الأوليين وجزاء الإحسان بهذا التقرير؛ ليكون فاصلاً بين مرتبة المقربين السابقين، وبين المرتبة التالية في قوله بعد ذلك: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ}؛ ليعلم العباد درجات الفضل وتفاوت المنازل عند الله.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣٨)مصدر غير محدد١٧/١٣٨: هذا التكرار الثامن في سياق الجنتين الأوليين؛ وتكرر ثماني مرات تذكيراً بأبواب الجنة الثمانية؛ فمن آمن بهذه الآلاء وعمل بمقتضاها فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَبِأَيِّ}: الفاء فصيحة، الباء حرف جر، أي اسم استفهام مجرور وهو مضاف متعلق بتكذبان.
{آلَاءِ}: مضاف إليه مجرور وهو مضاف.
{رَبِّكُمَا}: رب مضاف إليه وهو مضاف والكاف ضمير متصل والميم والألف للتثنية (الثقلان).
{تُكَذِّبَانِ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والفاعل ألف الاثنين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع موقع اللازمة في نهاية الشوط الثالث!
انتهى وصف الجنتين العاليتين بأعظم قاعدة: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}.
ثم جاءت اللازمة لتغلق ملف المقربين بالحمد والتمجيد.
لتفتح السورة الكريمة في الآية التالية (٦٢) ملف أصحاب اليمين والمرتبة التي تليها: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ}!
فيكون هذا النظم حداً فاصلاً وميزاناً متقناً بين طبقات النعيم في دار السلام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كمال العدل في تفاوت المراتب:
ليس أهل الجنة على درجة واحدة؛ فالهمم تتفاوت في الدنيا، والأعمال تتفاضل في الإخلاص والاتباع؛ فلزم في العدل الإلهي أن تتفاضل المنازل في الآخرة؛ فكان هذا التمايز بين الجنتين الأوليين والجنتين التاليتين برهاناً ساطعاً على تمام القسطاس المستقيم.
الإشارة التدبرية: استشعر فضل الله العظيم عليك؛ فما من توفيق لطاعة إلا وهو من إحسان الله إليك، وما من ثواب إلا وهو فضل زائد منه سبحانه؛ فله الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):