افتتحت السورة الكريمة بهذا الاسم الجليل المفرد من أسماء الله الحسنى، وهو آية مستقلة في العد الكوفي والشامي والمدني الأول، وتمام الآية عند الباقين مع ما بعدها.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ١)مصدر غير محدد٢٣/١ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «الرَّحْمَنُ» اسم من أسماء الله تعالى الحسنى، مشتق من الرحمة، لا ينبغي لأحد أن يتسمى به غيره سبحانه؛ وهو دال على سعة الرحمة وفيض الإحسان على جميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦١)مصدر غير محدد٧/٤٦١: يخبر تعالى عن فضله ورحمته وإحسانه إلى خلقه؛ بأنه أنزل القرآن على عبده ورسوله محمد ﷺ، فبدأ باسمه {الرَّحْمَٰنُ} مشعراً بأن كل ما يذكر في هذه السورة من النعم الدينية والدنيوية، والآيات الكونية والشرعية، والجزاء الأخروي في الجنة، هو من مقتضيات رحمته وسعة جوده.
وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج ١٧، ص ١١١)مصدر غير محدد١٧/١١١: سميت هذه السورة سورة الرحمن لافتتاحها بهذا الاسم العظيم؛ وكان أهل الجاهلية بمكة ينكرون اسم الرحمن ويقولون: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة (يعنون مسيلمة الكذاب لعنه الله)، وقالوا كما حكى القرآن: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا}؛ فأنزل الله هذه السورة مفتتحة باسمه {الرَّحْمَٰنُ} رداً عليهم وتثبيتاً لعظمته وبياناً لآثاره.
وبين ابن عاشور في التحرير والتنوير أن الابتداء بالاسم المفرد دون تعليق لفظي جارٍ مجرى التنويه والتمجيد والإعلان؛ كأنه قيل: اسمعوا نبأ الرحمن وما أفاضه على الوجود من رحمات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الرَّحْمَٰنُ}: اسم جليل مشتق من مادة (ر ح م) الدالة على الرقة والعطف والإنعام؛ وهو على وزن (فَعْلَان) الدال على الامتلاء والاتساع والفيض المفرط في الصفة.
إعرابه: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. وخبره جملة {عَلَّمَ الْقُرْآنَ} في الآية التالية، وما عطف عليها من الجمل الفعلية المتعاقبة.
وقيل في وجوه الإعراب الأخرى: هو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (ربي الرحمن)، أو هو مبتدأ خبره محذوف تقديره (الرحمن إلهكم)، والوجه الأول هو الأقوى عند سيبويه وجمهور النحاة؛ لأن الجمل بعده سيقت لبيان مظاهر رحمته وأفعاله الكبرى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا الابتداء الذي يملأ القلوب هيبة وسكينة ورجاء!
خُتمت سورة القمر السابقة بذكر المليك المقتدر: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}.
فجاءت فاتحة سورة الرحمن لتجيب عن السؤال المتقرر في النفوس: من هذا المليك المقتدر؟ فكان الجواب الإلهي الفوري: هو {الرَّحْمَٰنُ}!
كما أن سورة القمر كثر فيها ذكر النذر والبطش بالأمم المكذبة وقوله: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}؛ فناسب أن تقابلها سورة الرحمن بذكر الرحمة والآلاء والإنعام ليتوازن ميزان الخوف والرجاء في الوجدان الإيماني.
جعل الاسم المفرد آية تامة: يوقف القارئ والمستمع عنده ليتأمل جلال الذات الإلهية وكمالاتها قبل الخوض في تفاصيل النعم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد المفحم على وثنية قريش وإنكارهم لاسم الرحمن:
كان مشركو مكة يأنفون من التسمية بالرحمن في صلح الحديبية حين قال سهيل بن عمرو: "أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو! ولكن اكتب: باسمك اللهم".
فجاءت السورة الكريمة لتبرهن عقلياً وحسياً على أن هذا الاسم ليس لفظاً مجرداً، بل هو حقيقة مشهودة في كل تفاصيل الكون: في القرآن المنزل، وخلق الإنسان، وتعليمه النطق، وحركة الشمس والقمر، وسجود النجم والشجر، ووضع الميزان، وبسط الأرض للأنام؛ فكلها شواهد ناطقة برحمة الرحمن.
حقيقة الرحمة الإلهية وتنزيهها عن النقص البشري:
رحمة الله تعالى صفة ذاتية لائقة بجلاله وعظمته، ليست انفعالاً نفسياً ولا رقة تعتريها الضعف كرحمة المخلوق، بل هي إرادة الخير والإنعام المطلق وإيصال المنافع ودفع المضار بحكمة وقدرة تامة.
براعة الاستهلال والتجريد: افتتاح السورة باسم الذات المنعوت بأعظم صفات الإحسان يشد الأسماع ويحرك النفوس لتلقي الفيض الإلهي.
الدلالة الصرفية لوزن (فَعْلَان): يفيد الكثرة والاتساع والامتلاء؛ فالرحمن هو ذو الرحمة الواسعة المحيطة التي لا يعزب عنها موجود، كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}.
الإشارة التدبرية: استشعار العبد لرحمة الله في أول قراءته يورثه أمناً وطمأنينة ومحبة لله؛ فالله لم يبدأ سورة النعم بالمنتقم أو الجبار، بل بدأها بـ{الرَّحْمَٰنُ} ليفتح أبواب الرجاء لكل سائل وتائب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس محبة الله في النفوس: تذكير الناس بأن الله رحيم بهم، وأن نعمته تغمرهم في كل طرفة عين؛ فالمحبة هي المحرك الأعظم للعبودية والاستقامة.
التخلق بخلق الرحمة مع الخلق: التأسي بهدي النبي ﷺ؛ فمن امتلأ قلبه بمعرفة الرحمن رحم الضعفاء والمساكين والحيوان؛ كما في الحديث: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (سنن الترمذي: ١٩٢٤).
كثرة استحضار هذا الاسم العظيم في الأذكار والدعاء: التوسل إلى الله باسمه الرحمن؛ فإنه من أعظم مفاتيح الإجابة وتفريج الكروب.