أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ٨٠)جامع البيانالطبري٢٣/٨٠صحيح بسند صحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وقوله: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} قال: «هاتان الجنتان الأوليان للمقربين، وهاتان الجنتان من دونهما لأصحاب اليمين».
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ».
قال الحافظ ابن كثير: «هاتان الجنتان دون الأوليين في الرتبة والفضيلة والمنزلة بنص القرآن؛ فالأوليان للمقربين، وهاتان لأصحاب اليمين؛ فالأوليان من ذهب، وهاتان من فضة».
ونقل القرطبي عن ابن زيد: «الأوليان من ذهب للمقربين وفيهما الفاكهة زوجان، والأخريان من فضة وفيهما فاكهة ونخل ورمان».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمِن}: الواو حرف عطف دال على مغايرة المنزلة والنوعية، من حرف جر دال على الابتداء والظرفية.
{دُونِهِمَا}: دون ظرف مكان مجرور بمن وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف، والهاء مضاف إليه والميم والألف للتثنية؛ وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر مقدم.
لفظ "دون" في لسان العرب:
يأتي بمعنى أدنى رتبة ومنزلة (وهو قول الجمهور هنا، أي: أقل في الفضل من الجنتين السابقتين).
وقيل: بمعنى غيرهما وسواهما دون التعرض لنقص الفضل، أي جنات أخر للقوم أنفسهم، والأول أظهر بالسياق والآثار.
{جَنَّتَانِ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقسيم النظمي البديع لمراتب أهل الجنة:
كما قسم الله تعالى في سورة الواقعة الناس يوم القيامة إلى: {السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} و{أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ}، فكذلك في سورة الرحمن قسم نعيم أهل الجنة إلى طبقتين:
هذا التقابل القرآني يعكس تمام العدل الإلهي؛ فالسابقون الذين سبقت طاعاتهم وخلصت نياتهم وبلغوا ذروة الإحسان نالوا الجنتين الذهبيتين بأفنانها وعيونها الجارية، وأصحاب اليمين المقتصدون نالوا الجنتين من دونهما بفضتهما ونضخهما، وكلهم في نعيم مقيم وسعادة لا تبيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هل في قوله {وَمِن دُونِهِمَا} حط من قدر الجنتين الأخريين؟
الجواب: كلا قطعاً؛ فلفظ "الدون" هنا نسبي إضافي؛ أي أدنى من الجنتين الأوليين اللتين هما في ذروة الفردوس الأعلى والمقربين، ولكنهما في أنفسهما نعيم عظيم باذخ تعجز العقول والألسن عن إدراكه.
فكما أن قمر السماء أدنى من الشمس نوراً وإشراقاً، فإنه في ذاته ضياء باهر يبدد الظلمات، فكذلك جنات أصحاب اليمين فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
علة التثنية في الجنان:
قال العلماء: جنة لمنزله ومقامه، وجنة لخدمه وأزواجه وأهله؛ أو جنة لعمله الصالح، وجنة لفضل الله ورحمته؛ أو جنة لروحانيته وباطنه، وجنة لجثمانه وظاهره.
تقديم شبه الجملة {وَمِن دُونِهِمَا} للاهتمام ببيان الترتيب والمنزلة، ثم إيراد المبتدأ منكراً ومثنى {جَنَّتَانِ} للتفخيم والتعظيم والتشويق؛ فالتنكير هنا يفيد العظمة والجلال؛ أي جنتان عظيمتان لا يقادر قدرهما.
الملمح الإشاري في منازل السائرين:
الخائفون على درجات: خوف المقربين خوف إجلال ومحبة وشهود، وخوف الأبرار خوف حساب وعقاب وجزاء، فجاء جزاء كل فريق مطابقاً لحاله ومرتبته في السير إلى الله تعالى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تفاوت الهمم وتفاوت الدرجات:
ينبغي للمؤمن ألا يقنع بدون الفردوس الأعلى؛ فإن الجنة درجات، ومنازلها على قدر الأعمال والتضحيات والإخلاص.