بعد أن بين القرآن نعم الأنفس وخلق الإنسان وتعليمه، انتقل السياق الباهر إلى الآفاق الكونية العلوية، مسلطاً الضوء على أعظم نيرين مسخرين لمصالح الأرض والعباد.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٤)مصدر غير محدد٢٣/٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}: قال: يجريان بحساب مقدر، ومنازل معلومة، وأوقات مضبوطة لا يعدوانها ولا يختلان عنها؛ بحساب في بروجهما وفصول السنة، لتعلموا عدد السنين والحساب، ومواقيت الصيام والحج ومعايش العباد.
وذكر ابن كثير (ج ٧، ص ٤٦٢)مصدر غير محدد٧/٤٦٢: أي يتعاقبان بحساب مقنن محكم لا يختلف ولا يضطرب؛ كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}، وقال: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٣)مصدر غير محدد١٧/١١٣: الحُسبان: مصدر حسب يحسب حساباً وحسباناً؛ مثل الغفران والشكران؛ وقيل: الحسبان جمع حِساب كشهاب وشهبان؛ وقيل: الحسبان الفلك الذي يدوران فيه شبه بحسبان الرحى وهو القطب الذي تدور عليه؛ والمعنى الأظهر: يجريان بحساب دقيق مقدر في سيرهما ومنازلهما وكسوفهما وخسوفهما.
وأوضح السعدي (ص ٨٢٨)مصدر غير محدد٨٢٨: بانتظام سيرهما وحركتهما المحكمة تنتظم فصول السنة، ويتحقق صلاح أبدان الحيوانات ونضج الثمار، وتتبين الآجال والمعاملات بين الناس.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الشَّمْسُ}: مبتدأ أول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{وَالْقَمَرُ}: الواو حرف عطف، القمر معطوف على الشمس مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{بِحُسْبَانٍ}: الباء حرف جر للملابسة والظرفية، حسبان اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر المبتدأ تقديره: يجريان بحسبان، أو كائنان بحسبان دقيق.
حُسبان: بضم الحاء، مصدر بمعنى الحساب والتقدير الرياضي المحكم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من النعمة الصغرى الخاصة بالإنسان إلى النعمة الكبرى المحيطة بالكون!
علّم الإنسان البيان ليحسب به أوقاته ومعايشه.
ثم أرشده إلى الساعة الكونية العظمى التي تحكم زمانه؛ وهي حركة الشمس والقمر.
تناسب اسم السورة مع سورة القمر السابقة:
في سورة القمر ذكر القمر في سياق الانشقاق المعجز والإنذار باقتراب القيامة.
وهنا في سورة الرحمن ذكر الشمس والقمر في سياق الجريان المنتظم المستقر بحسبان دقيق؛ لبيان أنهما مسخران بحكمة الرحمن إلى أجل مسمى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز الفلكي والرياضي في حركة الأجرام السماوية:
التعبير بـ{بِحُسْبَانٍ}: يتطابق تماماً مع ما أثبته علم الفلك الحديث من دقة القوانين الرياضية والجاذبية التي تضبط مدارات الشمس والقمر؛ فأي انحراف بمقدار جزء من الثانية أو جزء من الدرجة يؤدي إلى تصادم الكواكب أو احتراق الأرض وتجمدها.
هذا النظام الصارم المستمر منذ مليارات السنين يستحيل عقلاً أن يكون نتاج مصادفة، بل هو برهان ساطع على تقدير الإله الحكيم العليم.
إسقاط عبادة الأجرام والنجوم:
لما بين القرآن أنهما يجريان بحسبان، أثبت أنهما مخلوقان مدبران خاضعان لقهر الصانع؛ فالمخلوق المسير بحساب لا يجوز عقلاً أن يتخذ إلهاً ولا أن يعبد من دون الله.
تنكير {حُسْبَانٍ}: تنكير تعظيم وتفخيم؛ أي بحساب بالغ الدقة والإتقان يفوق حصر البشر وإحاطتهم.
الجمع بين الشمس والقمر بالعطف: لاشتراكهما في تنظيم شؤون الحياة؛ فالشمس لضياء النهار ومعاش الأبدان ونضج النبات، والقمر لنور الليل والسكينة ومواقيت الشهور والعبادات.
الإشارة التدبرية: إذا كانت الشمس والقمر بحجمهما الهائل وأفلاكهما العظيمة منضبطين بأمر الرحمن بحسبان لا يخطئ؛ فكيف يجرؤ هذا الإنسان الضعيف أن يخرج عن أمر ربه ويضطرب في ميزان طاعته؟
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تنظيم الوقت ودقة الحساب: التربية القرآنية على قيمة الوقت والانضباط؛ فالكون كله قائم على الدقة والمواقيت الصارمة، والمسلم أولى الناس بإتقان عمله واحترام أوقاته.
التفكر في ملكوت السماوات والأرض: إدراك أن النظر في شروق الشمس وغروبها، ومنازل القمر هلالاً وبدراً، عبادة قلبية تورث اليقين وتعظم الخالق في الصدور.
ربط العبادات بالآيات الكونية: استشعار حكمة الله في ربط مواقيت الصلاة والصيام والحج بحركة الشمس والقمر؛ مما يجعل العبادة متناغمة مع حركة الكون بأسره.