التكرار العاشر للازمة الكبرى في السورة؛ تعقيباً على مشهد التعجيز والتحدي للثقلين وبيان قدرة الله القاهرة المحيطة بكل الأقطار.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٢٤)مصدر غير محدد٢٣/٢٤ عن قتادة: يقول: فبأي نعم ربكما يا معشر الإنس والجن تكذبان؟ أبهذا السلطان القاهر والملك المحيط الذي لا يفوته ظالم ولا يفلت منه هارب، فتحتمون بعدله وتوقنون بجزائه؟
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٨)مصدر غير محدد٧/٤٦٨: إحاطة الله بخلقه وإعلامهم بأنه لا مفر منه من أعظم النعم؛ لأنه يقطع أطماع الظالمين في الإفلات من العقاب، ويملأ قلوب المستضعفين أمناً وثقة بأن حقوقهم لن تضيع، وأن كل طاغية مستحضر للمحاسبة.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢٨)مصدر غير محدد١٧/١٢٨: هذا التقرير المستمر يدعو الثقلين إلى الاستسلام لأمر الله والانقياد لشرعه قبل أن يأتيهم يوم لا يملكون فيه حيلة ولا سلطاناً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَبِأَيِّ}: الفاء فصيحة، الباء حرف جر، أي اسم استفهام مجرور متعلق بتكذبان وهو مضاف.
{آلَاءِ}: مضاف إليه مجرور وهو مضاف.
{رَبِّكُمَا}: رب مضاف إليه وهو مضاف والكاف ضمير متصل والميم والألف للتثنية (الثقلان).
{تُكَذِّبَانِ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والفاعل ألف الاثنين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد وقع السؤال بعد عجز الثقلين وانقطاع الحيل!
تحداهما الله بالنفاذ وأثبت عجزهما المطلق: {لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ}.
ثم وجه إليهما السؤال: فبأي نعم هذا الإله العظيم وسلطانه القاهر تكذبان؟
فيكون الجواب: لا مهرب منك إلا إليك، ولا معتمد إلا عليك، فلك الحمد والمنة.
التمهيد لمشهد الرمي بالشواظ والنحاس في الآية التالية: أثبت عجزهما عن النفاذ، ثم بين في الآية (٣٥) ما يواجهانه إن حاولا الفرار: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة استمرار الخطاب بالآلاء في سياق القهر والتعجيز:
القهر الإلهي عدل، والعدل نعمة كبرى تصان بها موازين الوجود.
كما أن إيقاظ النفوس وإشعارها بالعجز يخلصها من داء الكبر والغرور الذي هو علة الشقاء الأبدي؛ فكان إظهار العجز في الدنيا رحمة تقود إلى التواضع والفلاح.
الإيقاع الحاسم الرادع: يقطع السؤال حبال الأوهام؛ فكل متكبر سيعلم أنه عبد فقير لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً.
الإشارة التدبرية: إذا علمت أنه لا نفاذ لك من ملكوت الله، فاستسلم لمراده الشرعي طائعاً مختاراً؛ لتنال كرامته ومقعد الصدق عند مليك مقتدر، بدلاً من أن تساق مقهوراً بالسلاسل والأغلال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):