تنتقل الآية الكريمة من أعماق البحار وكنوزها الدفينة إلى سطح المياه الفسيحة، مبرزة أعظم وسيلة ربطت بين قارات العالم ومكنت الإنسان من نقل أقواته وتجارته؛ وهي السفن والمراكب العملاقة الجارية بأمر الله.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ١٨)مصدر غير محدد٢٣/١٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ}: قال: الجوار: السفن التي تجري في البحر؛ والمنشآت: المرفوعات القلاع والقلوع والأشرعة، فما رفع قلعه فهو منشأ وما لم يرفع قلعه فليس بمنشأ؛ كالأعلام: كالجبال الطوال العظام؛ والعَلَم في كلام العرب هو الجبل الطويل الشامخ.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٦)مصدر غير محدد٧/٤٦٦: يمتن تعالى على عباده بتسخير البحر لحمل السفن، وهي الجواري السارية في لجه؛ المنشآت: أي التي أنشئت ورفعت أخشابها وقلوعها كأنها جبال شاهقة، تسير بالرياح وبالأسباب التي سخرها الله، لحمل الأمتعة والأرزاق والمسافرين من إقليم إلى إقليم ومن قارة إلى قارة؛ كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢٣)مصدر غير محدد١٧/١٢٣: قرأ الجمهور: {الْمُنشَآتُ} بفتح الشين، اسم مفعول؛ أي التي أنشأها الناس بأمر الله وتسخيره ورفعوا قلوعها؛ وقرأ حمزة وشعبة والكسائي وخلف بكسر الشين: {الْمُنشِئَاتُ}، اسم فاعل؛ أي المنشئات للسير المبتدئات له، أو الرافعات للقلوع والأشرعة في الهواء، أو التي تنشئ الأمواج بسيرها وتشق عباب الماء؛ وكلتا القراءتين حق وإعجاز.
وفي التحرير والتنوير: تصدير الآية بـ{وَلَهُ}: يفيد القصر والاختصاص؛ أي لله وحده خلقاً وتسخيراً وتدبيراً؛ فالإنسان وإن بنى السفينة بيده، فإن خواص الخشب والحديد وقانون الطفو وحركة الرياح والماء كلها من خلق الرحمن وحده؛ فلولاه لغاصت في القاع في طرفة عين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَهُ}: الواو حرف عطف أو استئنافية، اللام حرف جر للاختصاص والملك، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر باللام، وشبه الجملة في محل رفع خبر مقدم يفيد القصر والاهتمام.
{الْجَوَارِ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة للتخفيف ولرسم المصحف؛ والجوار جمع جارية، وهي السفينة التي تجري في الماء.
{الْمُنشَآتُ}: نعت للجوار مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة (على قراءة الفتح لاسم المفعول؛ أو الكسر لاسم الفاعل)؛ والإنشاء هو الرفع والابتداء والبناء.
{فِي الْبَحْرِ}: جار ومجرور متعلق بالمنشآت أو بالجوار أو بحال محذوفة.
{كَالْأَعْلَامِ}: الكاف حرف تشبيه وجر، الأعلام اسم مجرور بالكاف وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وشبه الجملة في محل نصب حال من الجوار؛ والأعلام جمع عَلَم (بفتحتين)، وهو الجبل الطويل العالي المشهور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع التقابل المعجز في معرض آلاء البحر!
الآية (٢٢) ذكرت الغوص في أعماق البحر لاستخراج الجواهر الصغار: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ}.
والآية (٢٤) ذكرت الطفو على سطح الماء لتحريك الكتل الكبار كالجبال: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ}.
فجمع بين أعماق القاع وسطح الماء، وبين دقة الجوهر وعظمة السفينة كالجبل الشامخ!
هذا التقابل النظمي يستوعب كل أسرار البحر ومنافعه التي سخرها الرحمن للثقلين.
تقديم الجار والمجرور {وَلَهُ}: لرد الفضل كله إلى الله تعالى؛ لئلا يغتر الإنسان بمهارته الهندسية وصناعته للسفن، فينسى أن الله هو الذي سن قانون الطفو وسخر الماء والهواء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز الفيزيائي في قانون الطفو والاستقرار البحري:
قطعة الحديد الصغيرة إذا ألقيتها في الماء هوت إلى القاع فوراً، بينما السفينة الحديدية العملاقة التي تزن مئات الآلاف من الأطنان تطفو كالجبل وتسير فوق الأمواج المتلاطمة!
هذا القانون الهيدروليكي المحكم وتوازن الضغوط هو تدبير الرحمن: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ}؛ فلو شاء الله لسلب الماء خاصية الرفع والطفو لابتلعت البحار كل أساطيل العالم في لحظة واحدة: {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ}.
رد كبرياء الإنسان الصناعي: الآية تنبه البشرية في كل عصر، وخاصة في عصر البواخر والناقلات العملاقة وحاملات الطائرات الشاهقة كالجبال، أن هذه المنشآت ليست فخراً للبشر بمعزل عن الله، بل هي منحة وتسخير من الله العزيز الحكيم.
التشبيه التمثيلي الباهر في {كَالْأَعْلَامِ}: تشبيه السفن الضخمة ذات القلاع والأشرعة بالجبال الشامخات في الارتفاع والضخامة والرسوخ؛ مما يرسم مشهداً بصرياً مهيباً يثير العجب في النفوس.
التعبير بـ{الْمُنشَآتُ}: صيغة تدل على العلو والارتفاع؛ فالمنشأ هو المرفوع الشاهق، مما يتطابق مع هيئة السفن البحرية الضخمة التي تبدو للمبصر عن بعد كأنها مدن عائمة.
الإشارة التدبرية: السفينة تسبح فوق لجة لا قاع لها إلا بالاعتماد على حكمة الخالق؛ فكذلك قلب المؤمن يسير في بحر هذه الدنيا المتلاطمة الفتن بمركب الشريعة وأشرعة الإيمان، فإن انكسر مجدافه غرق وهلك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر الله عند ركوب السفن والطائرات والمراكب: المحافظة على دعاء الركوب المأثور: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}.
استشعار الافتقار التام إلى حفظ الله في الأسفار: إدراك أن الإنسان في عرض البحر أو في الجو محاط بألطاف الله، وأن التكنولوجيا والعتاد لا تعصم من قدر الله إذا جاء.
تسخير النقل البحري والتجارة في عمارة الأرض ونشر الخير: تسيير خطوط الملاحة لنقل الأغذية ومساعدة المحتاجين وتبليغ دعوة الإسلام إلى أقاصي الجزر والقارات.