بعد ذكر نعمة الهداية بالوحي، ثنى القرآن الكريم بذكر نعمة الإيجاد التكويني؛ وهي خلق هذا الكائن الإنساني المستخلف في الأرض.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٣)مصدر غير محدد٢٣/٣ عن قتادة في قوله: {خَلَقَ الْإِنسَانَ}: قال: خلق الله آدم وذريته، ابتدأ خلقهم من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، وصوره في أحسن تقويم.
وذكر ابن كثير (ج ٧، ص ٤٦١)مصدر غير محدد٧/٤٦١: يمتن تعالى على عباده بخلقهم وإبرازهم من العدم إلى الوجود بعد أن لم يكونوا شيئاً مذكوراً؛ فخلق الإنسان سميعاً بصيراً مفكراً، مؤهلاً لحمل الأمانة وعمارة الأرض بالتوحيد والطاعة.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٢)مصدر غير محدد١٧/١١٢: الإنسان هنا اسم جنس يعم كل بني آدم، وقيل: أراد آدم عليه السلام لأنه أصل البشرية، وقيل: أراد محمداً ﷺ لأنه أكمل بني الإنسان؛ والعموم أولى وأشمل، ليشهد كل إنسان بنعمة خلقه وتركيبه المعجز.
وأوضح السعدي (ص ٨٢٨)مصدر غير محدد٨٢٨: خلقه الله تعالى في أكمل صورة وأبهى خلقة؛ وزوده بالجوارح والأعضاء والقوى العقلية والنفسية التي يتمكن بها من معرفة ربه وعبادته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{خَلَقَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على {الرَّحْمَٰنُ}.
{الْإِنسَانَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ وأصله في الاشتقاق من (الإنْس) وهو الظهور والألفة، أو من (النَّوْس) وهو الحركة والاضطراب، وقيل: من النسيان لنسيان آدم عليه السلام.
والجملة الفعلية معطوفة على جملة {عَلَّمَ الْقُرْآنَ}، أو هي خبر ثان للمبتدأ {الرَّحْمَٰنُ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الربط بين الآيتين!
في الآية (٢): {عَلَّمَ الْقُرْآنَ}.
وفي الآية (٣): {خَلَقَ الْإِنسَانَ}.
فكأن الله تعالى يقول: إنما خلقت هذا الإنسان ليكون وعاءً لتلقي القرآن والعمل بأحكامه؛ فالإنسان هو المكلف المخاطب، والقرآن هو المنهاج والدستور.
فإذا تجرد الإنسان من القرآن عاد جسداً طينياً لا ميزة له عن سائر الحيوان؛ ولهذا قرن الخلق بالتعليم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان الفلسفات المادية والصدفية في نشأة الإنسان:
تقرر الآية بحسم أن الإنسان ليس نتاج صدفة عمياء ولا تطوراً عشوائياً بلا غاية، بل هو كائن مخلوق بفعل فاعل عليم قدير رحيم: {خَلَقَ الْإِنسَانَ}.
وهذا الخلق المحكم المتسق مع خصائص الأرض والغلاف الجوي والبيئة الحيوية دليل عقلي قاطع على التدبير المسبق والحكمة الإلهية البالغة.
تذكير الإنسان بأصله لكسر كبريائه: خلق الإنسان من طين ومن نطفة تذكرة له بضعفه وفقره؛ فلا ينبغي لمن كان عدمياً ثم خلق أن يستكبر على خالقه ويكذب بآياته.
الإيجاز الإعجازي في لفظتين: {خَلَقَ الْإِنسَانَ}: اختزل القرآن في هاتين اللفظتين تاريخ البشرية وبديع الصنعة الإلهية، من أول خلية وتخليق الأجنة في الأرحام إلى تمام السوية.
تعريف {الْإِنسَانَ} بأل الجنسية: لاستغراق النعمة على كل فرد من أفراد البشر؛ فكل إنسان يجد في نفسه آيات بينات تدل على ربه: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}.
الإشارة التدبرية: من عرف قدر نعمة الخلق، استحيا من الخالق أن يعصيه بالجوارح التي أنعم بها عليه؛ فاليد التي خلقها، والعين التي ركبها، والقلب الذي نبضه بيده، حقها أن تسخر في طاعته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة الإيجاد والإنشاء: أن يلهج لسان العبد بحمد الله على نعمة الحياة والصحة والعافية وتمام الخلقة.
احترام الكرامة الإنسانية: إدراك أن الإنسان كائن كرمه الله بالخلق والاصطفاء؛ فلا يجوز إذلاله ولا الاعتداء على دمه أو ماله أو عرضه بغير حق.
التواضع ونبذ التكبر: تذكر المبتدأ والمنتهى؛ فالإنسان أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو بينهما يحمل العذرة؛ فما باله يطغى ويستكبر؟