تشرع الآيات الكريمة في تفصيل أوصاف الجنتين الأوليين؛ فتبدأ بوصف الأشجار والظلال والأغصان الوارفة التي تبهج الأبصار وتثمر سائر ألوان الثمار.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٣٢)مصدر غير محدد٢٣/٣٢ عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير في قوله: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ}: قال: الأفنان: هي الأغصان المتشعبة النضرة، مفردها فَنَن؛ أغصانها ناعمة خضراء مورقة، متدلية بالثمار اللذيذة، تلقي بظلالها الوارفة على أهل الجنان؛ وقيل: ذواتا فنون وألوان من النعم والفواكه واللذائذ التي لا تحصى؛ من قولهم: تفنن فلان في الحديث إذا أتى بفنون متنوعة.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٧٢)مصدر غير محدد٧/٤٧٢: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} أي أغصان حسنة بهية ناعمة، تحمل من كل ثمرة نضيجة زوجين؛ وظلالها ممدودة، وأفنانها رطبة متمايلة بالنسيم العليل؛ كما قال تعالى: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣٣)مصدر غير محدد١٧/١٣٣: الفَنَن: الغصن المستقيم الطويل الناعم الرطب؛ وشجر الجنة لا يبلى، ولا يسقط ورقه، وأغصانه من در وياقوت، وثماره ألين من الزبد وأحلى من العسل؛ والجمع بين معنيي الأغصان وتنوع الفنون وارد ومقصود؛ فهما ذواتا أغصان عظيمة، وذواتا فنون متعددة من النعيم.
وفي التحرير والتنوير: افتتاح وصف الجنتين بالأفنان لأن الشجر المورق بالأغصان المتشعبة هو أول ما يطالع عين الناظر إلى البساتين؛ فيقع عليه النظر فيشرح الصدر بروعته وظلاله قبل تذوق ثماره.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{ذَوَاتَا}: نعت ثان لـ{جَنَّتَانِ} في الآية (٤٦) مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى وهو مضاف، وحذفت النون للإضافة؛ وأصله (ذواتان) للمؤنث المثنى؛ والذات بمعنى الصاحبة.
{أَفْنَانٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والأفنان جمع فَنَن (بفتحتين) وهو الغصن الطويل الرطب النضر، أو جمع فَنّ وهو النوع والصنف من الأشياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع التدرج في رسم لوحة الجنان!
ذكر الجنتين إجمالاً: {جَنَّتَانِ}.
ثم وصف هيكلهما العام وغطاءهما النباتي الشامخ: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ}.
ثم سيفصل في الآيات التالية: مجاري المياه: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ}.
ثم نوعية الثمار: {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ}.
ثم المجالس والأرائك: {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ...}.
ثم الحور والجمال: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ...}.
هذا التدرج النظمي من المشهد العام المحيط إلى التفاصيل الدقيقة يبلغ قمة البلاغة التصويرية الإعجازية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شجرة الجنة وخلود خضرتها:
أشجار الدنيا تذبل في الخريف وتسقط أوراقها وتجف أغصانها.
أما أشجار الجنة وأفنانها فهي نضرة دائمة لا يمسها يبس ولا زوال؛ خضرتها أبدية وظلالها ممدودة، وثمارها متجددة لا مقطوعة ولا ممنوعة.
استيعاب فنون النعيم: تنكير {أَفْنَانٍ} يدل على تنوع هائل في أشكال النعيم؛ مما يقطع الملل؛ فالنفس في الجنة تجد في كل آنٍ فناً جديداً ولوناً مستحدثاً من الإكرام.
الدلالة الصوتية للفظ (أَفْنَان): لفظ رقيق ينساب على اللسان كحفيف الأغصان الرطبة في مهب الرياح اللطيفة.
الإيجاز في كلمتين: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ}: حوت كل ما تتخيله العقول من جمال الطبيعة والبساتين والأشجار المتشابكة الغناء.
الإشارة التدبرية: من غرس في دنياه أشجار الطاعات والأذكار، أثمرت له في الآخرة ذواتا أفنان؛ فكلمة: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» تغرس لك نخلة في الجنة كما أخبر المصطفى ﷺ.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الإكثار من غراس الجنة بالأذكار: استثمار الأنفاس في التسبيح والتحميد والتكبير؛ لتتكاثر الأفنان والبساتين في جنات النعيم.
تأمل جمال خلق الله في الأرض كدليل على نعيم الآخرة: النظر إلى الحدائق النضرة في الدنيا وتذكر أنها ظل زائل مقارنة بأفنان الجنة الخالدة.
العمل الصالح المتنوع: التفنن في أبواب البر والخير؛ فمن تنوعت طاعاته في الدنيا تنوعت أفنان نعيمه في الآخرة.