التكرار الرابع للازمة الكبرى في السورة؛ تعقيباً على آية مرج البحرين والبرزخ المائي الحافظ للحياة والبيئة البحرية.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ١٦)مصدر غير محدد٢٣/١٦ عن قتادة والحسن: يقول تعالى: فبأي نعم ربكما يا معشر الإنس والجن تكذبان؟ أبهذه النعمة العظيمة في حفظ المياه، وعذوبة الأنهار للشاربين، وملوحة البحار لصيانة الهواء وحفظ الأحياء من التعفن؟
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٥)مصدر غير محدد٧/٤٦٥: النعمة في مرج البحرين والبرزخ نعمة جليلة؛ فلولا هذا البرزخ لطغى البحر المالح على مياه الأنهار العذبة فغارت الآبار ويبست الزروع وهلك الناس والحيوان عطشاً؛ فكان البرزخ سياج أمان لحياة الخلائق على الأرض.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢١)مصدر غير محدد١٧/١٢١: تكرار السؤال هو حث مستمر على تأمل دقائق النعم؛ فالإنسان قد يرى البحر ولا يفطن لما فيه من قوانين حفظ الحياة، فيوقظه القرآن بهذا السؤال ليعلم أن وراء هذا التوازن يداً رحيمة حكيمة تدبر أمره.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَبِأَيِّ}: الفاء فصيحة، الباء حرف جر، أي اسم استفهام مجرور وهو مضاف متعلق بتكذبان.
{آلَاءِ}: مضاف إليه مجرور وهو مضاف.
{رَبِّكُمَا}: رب مضاف إليه وهو مضاف والكاف ضمير متصل والميم والألف للتثنية (الثقلان).
{تُكَذِّبَانِ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والفاعل ألف الاثنين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبلغ التعقيب عقب مشهد البرزخ المائي!
لما عرضت الآيتان السابقتان مشهداً يعجز عن إيجاده سائر البشر والجن (مرج البحرين وحفظ البرزخ).
توجه الخطاب مباشرة إلى وجدان الثقلين: هل تملكان إنكار هذه الحماية الربانية لمصادر حياتكما؟
فيخرس لسان التكذيب ويبقى الشكر والحمد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عموم النعمة للثقلين في عالم البحار:
الجن كالإنس ينتفعون بمصالح الأرض وتوازن مياهها؛ فكل كائن حي يحتاج إلى الماء العذب للشرب، وإلى البحار لضبط حرارة الجو وإنزال الغيث واستخراج الأرزاق.
فالتكذيب هنا إنكار لضرورات الحياة التي لا بقاء لأحد بدونها.
الإيقاع الترديدي الصاعد: يتوالى السؤال كأمواج البحر المتدفقة؛ فكلما هدأت موجة نعمة جاء بعدها هذا التقرير الإلهي ليثبت أثرها في النفس.
الإشارة التدبرية: لا تستصغر نعمة عذوبة كأس الماء البارد الذي تشربه؛ فهو ثمرة منظومة كونية هائلة مرجت فيها البحار وضبطت فيها البرازخ ليبقى لك هذا الماء عذباً فراتاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحمد عند شرب الماء العذب: لزوم هدي النبي ﷺ في حمد الله عند شرب الماء، واستشعار فضل الله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا.
حماية مصادر المياه من التلوث: المحافظة على الأنهار والبحار ومنع إلقاء السموم والملوثات فيها؛ رعاية لنعمة الله وبرزخه.
دوام الاستجابة بالحمد: قول العبد بقلب حاضر عند تلاوة الآية: «لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ».