تبين هذه الآية الكريمة العلة التشريعية والمقصد الشرعي من وضع الميزان؛ وهو قطع دابر الطغيان، والنهي الحازم عن مجاوزة الحد والاعتداء على حقوق العباد.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٧)مصدر غير محدد٢٣/٧ عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ}: قال: لئلا تعتدوا في الوزن؛ ولا تجوروا ولا تبخسوا الناس حقوقهم، واعدلوا كما أمركم الله؛ فإن الطغيان في الميزان يوجب سخط الرحمن وهلاك الأمم.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٢)مصدر غير محدد٧/٤٦٢: أي وضع الميزان لتعدلوا ولا تطغوا؛ فإن الطغيان هو مجاوزة الحد والجور؛ فأمر الله بالعدل وحرم الاعتداء.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٥)مصدر غير محدد١٧/١١٥: الطغيان في الميزان: مجاوزة الحق والزيادة فيه عند الأخذ والنقص عند الإعطاء؛ وهو سبب ما حل بالأمم الغابرة كقوم شعيب الذين عذبهم الله بيوم الظلة لما طغوا في المكيال والميزان.
وفي التحرير والتنوير: (ألا تطغوا) نهي مؤكد؛ لأن النفس البشرية مجبولة على الشح والميل إلى منفعة الذات على حساب الغير؛ فاحتاجت إلى وازع تشريعي صارم يمنعها من الطغيان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَلَّا}: أن إما أن تكون مصدرية ناصبة، و(لا) نافية أو ناهية، والمصدر المؤول (ألا تطغوا) في محل نصب مفعول لأجله بتقدير لام التعليل المحذوفة (أي: لوضع الميزان لئلا تطغوا، أو كراهة أن تطغوا). وإما أن تكون (أن) تفسيرية لـ(وضع الميزان) متضمنة معنى القول، و(لا) ناهية جازمة وتطغوا مضارع مجزوم بحذف النون.
{تَطْغَوْا}: فعل مضارع منصوب بأن (أو مجزوم بلا الناهية) وعلامة نصبه (أو جزمه) حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
والطغيان في اللغة: مجاوزة الحد المعتاد في كل شيء؛ ومنه طغى الماء إذا ارتفع وفاض.
{فِي الْمِيزَانِ}: جار ومجرور متعلق بالفعل تطغوا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من التقرير العام إلى التكليف الخاص!
الآية (٧) قررت حقيقة وضع الميزان: {وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}.
لتتصل النعمة بالتكليف؛ فما شرع الله حكماً إلا لحفظ مصالح العباد وصيانة حقوقهم.
التكرار المقصود للفظ {الْمِيزَانِ}: تكرر في هذه الآيات ثلاث مرات لأهميته البالغة؛ فالأولى لوضعه، والثانية للنهي عن الطغيان فيه، والثالثة للأمر بإقامته والنهي عن إخساره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عموم الميزان واستيعابه لشتى جوانب الحياة الإنسانية:
قد يظن ظان أن الميزان محصور في حديدة الوزن في الدكاكين والأسواق؛ ولكن المحاكمة العقلية والتفسيرية تبين أن الميزان يعم كل تقويم ومعيار:
ميزان الأفكار والعقائد (بالوحي والعقل الصريح).
ميزان الأخلاق والشهادات (بالصدق والإنصاف دون محاباة).
ميزان الحكم والقضاء (بين الخصوم).
ميزان المعاملات التجارية (بالكيل والوزن).
فالطغيان في أي ميزان من هذه الموازين هو إفساد للأرض وخرق لأمر الرحمن.
حكمة النهي عن الطغيان قبل الأمر بالإقامة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ فالتخلية من الجور والطغيان مقدمة على التحلية بإقامة القسط.
استخدام مادة (ط غ ى): اختيار لفظ الطغيان يحمل تحذيراً شديداً؛ لأن الطغيان هو صفة الفراعنة والجبابرة: {اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ}؛ فمن طغى في الميزان وبخس الناس حقوقهم فقد تشبه بالطغاة في أفعالهم.
الإشارة التدبرية: من أقام ميزان العدل مع ربه في عبادته، ومع نفسه في شهواته، ومع الناس في تعامله، نجا من الطغيان وحاز كمال الاستقامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاربة الغش والفساد المالي والإداري: إلزام التجار وأصحاب الأعمال بمراقبة الله في البيع والشراء وعدم التلاعب بالمواصفات أو الأسعار أو الموازين.
الإنصاف في تقييم الأشخاص والأفكار: ألا يطغى المسلم بهواه أو تعصبه فيبخس حق مخالفه أو يبالغ في مدح محبوبه؛ فالعدل واجب مع الجميع: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}.
تربية النفس على كبح جماح الطغيان: تذكر أن كل زيادة في حق ليس لك يقابلها نقصان في دينك وأمانتك وعقوبة تنتظرك يوم الحساب.