يعود السياق القرآني إلى تفصيل المادة الأولى التي نشأ منها هذا الكائن البشري، بعد أن خاطب الثقلين بالاعتراف بالآلاء في الآية السابقة؛ ليربط بين التكليف وأصل التكوين الترابي.
روى الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الزهد والرقائق، حديث رقم ٢٩٩٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٩٦ عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «خُلِقَتِ المَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ».
وروى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ١١)مصدر غير محدد٢٣/١١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ}: قال: الصلصال: هو الطين اليابس الذي لم تصبه النار، فإذا نقرته صلصل فسمعت له صوتاً كصوت الفخار؛ والفخار: هو الخزف المصنوع من الطين الذي يبس واشتد حتى صار يابساً صلباً.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٤)مصدر غير محدد٧/٤٦٤: يخبر تعالى عن ابتداء خلق بني آدم؛ بأنه خلق أباهم آدم عليه السلام من طين يابس له صلصلة وصوت، يشبه الخزف المصنوع في جفافه وصلابته، بعد أن مر بأطوار: تراب، ثم طين لازب، ثم حمأ مسنون، ثم صلصال كالفخار، ثم نفخ فيه الروح فصار بشراً سوياً.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٨)مصدر غير محدد١٧/١١٨: الصلصال: مأخوذ من صلّ اللحم إذا تغير وأنتن، أو من صلصل الشيء إذا صوّت؛ والأول يدل على تغير ريحه حين كان حمأ مسنوناً، والثاني يدل على يبسه وتصويته عند النقر، وشبه بالفخار لقوته وثباته وصوته عند الجفاف.
وفي التحرير والتنوير: تذكير الإنسان بهذه النشأة الترابية المتواضعة غايته كسر بواعث الكبرياء والتجبر؛ فمن كان أصله طيناً يابساً كيف يأنف من السجود لخالقه وشكر نعمائه؟
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{خَلَقَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على {الرَّحْمَٰنُ}.
{الْإِنسَانَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والمراد به آدم عليه السلام أو جنس بني آدم باعتبار أصل نشأتهم.
{مِن صَلْصَالٍ}: من حرف جر لابتداء الغاية ونشأة المادة، صلصال اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بالفعل خلق؛ والصلصال الطين اليابس المصوت.
{كَالْفَخَّارِ}: الكاف حرف تشبيه وجر، الفخار اسم مجرور بالكاف وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وشبه الجملة في محل جر نعت لصلصال؛ والفخار ما طبخ من الخزف والتراب حتى صلب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال بعد الآية (١٣) {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}!
وجه السؤال للثقلين (الإنس والجن) بصيغة التثنية: {رَبِّكُمَا}.
فناسب جداً أن يتبع ذلك ببيان أصل خلقة كل واحد من هذين الصنفين المخاطبين على حدة:
فبدأ بالإنسان في الآية (١٤): {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ}.
ليقف كل مخلوق منهما أمام ميزان نشأته؛ فلا يظن الإنسي أنه مخلوق من جوهر علوي، ولا يغتر الجني بطاقته النارية.
التكرار الواعي لنعمة الخلق: ذكر خلق الإنسان أولاً في الآية (٣) بصفة عامة، وهنا ذكره ببيان المادة والعنصر؛ ليزداد البيان رسوخاً وإعجازاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز في أطوار المادة الطينية:
التعبير بالصلصال والفخار يقرر قانوناً حيوياً باهراً: فالتراب الجامد الرطب الذي لا حياة فيه يمر بطور التماسك والتجفيف والتشكيل، ثم تبث فيه الروح المعقدة بأجهزتها العصبية والدموية والتنفسية؛ فتحويل المادة الصلصالية الصامتة إلى كائن ناطق مفكر برهان عقلي قاطع على قدرة الخالق العليم التي لا تعجزها إعادة الأجساد بعد فنائها.
دحض الغرور البشري بالأصل المادي:
لا فضل لأحد بنسبه أو لونه؛ فأصل الجميع طين صلصال، وإنما يتفاضل الناس بما يكتسبونه من الإيمان والعمل الصالح والتقوى.
التشبيه في {كَالْفَخَّارِ}: تشبيه تقريبي للأذهان لبيان مدى اليبس والتصويت قبل نفخ الروح؛ مما يبرز التباين الهائل بين مادة الطين الميتة وبين الحياة الإنسانية النابضة بالحركة والبيان.
الدلالة الصوتية للفظ (صَلْصَال): تكرار الصاد واللام يوحي بالصلابة ورجع الصوت عند الطرق، مما يستحضر هيئة الهيكل الطيني الأول.
الإشارة التدبرية: من تأمل أصله الطيني تواضع لخالقه ورفق بعباده؛ فالطين شأنه السكون واللين والتواضع وقبول الإنبات، فإذا تكبر الإنسان فقد خالف طبيعة أصله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس التواضع ومحاربة الكبر والطبقية: تذكير الناس بأنهم جميعاً أبناء رجل واحد خُلق من طين؛ فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.
التفكر في بديع صنع الله في النفس: تأمل العبد كيف خلق الله من هذا الطين الصلصال العظام، واللحم، والعروق، والعين المبصرة، والقلب النابض؛ مما يملأ القلب خشوعاً لله.
الاستعداد ليوم المآل: تذكر أن الجسد سيعود إلى التراب الذي خُلق منه؛ فلا يفرح بفانٍ ولا يغتر بجمال زائل.