التكرار التاسع للازمة الكبرى في السورة؛ تعقيباً على وعيد الحساب وإعلان الفراغ لمجازاة الثقلين بالقسطاس المستقيم.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٢٣)مصدر غير محدد٢٣/٢٣ عن قتادة: يقول: فبأي نعم ربكما يا معشر الإنس والجن تكذبان؟ أبهذا الإنذار الذي يوقظكم قبل فوات الأوان، أم بعدالة الحساب التي ينتصف فيها لكل مظلوم من ظالمه؟
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٨)مصدر غير محدد٧/٤٦٨: الإنذار بالوعيد والتنبيه على الحساب من أعظم نعم الله على عباده؛ لأنه يزجر القلوب عن المعاصي، ويردع الظالم عن ظلمه، ويبعث الغافل على التوبة والاستعداد؛ فلولا هذا الإنذار لتمادى الناس في غيهم حتى يهلكوا فجأة في نار جهنم.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢٦)مصدر غير محدد١٧/١٢٦: عدّ التخويف نعمة وآلاء لأن التخويف في دار العمل سبب للنجاة في دار الجزاء؛ ومن خاف في الدنيا أمنه الله يوم القيامة، كما في الأثر الإلهي: «وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلَا أَمْنَيْنِ؛ فَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَبِأَيِّ}: الفاء فصيحة، الباء حرف جر، أي اسم استفهام مجرور وهو مضاف متعلق بتكذبان.
{آلَاءِ}: مضاف إليه مجرور وهو مضاف.
{رَبِّكُمَا}: رب مضاف إليه وهو مضاف والكاف ضمير متصل والميم والألف للتثنية (الثقلان).
{تُكَذِّبَانِ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والفاعل ألف الاثنين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبلغ هذا التنبيه عقب الوعيد الصارم!
قال في الآية (٣١): {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ}.
ثم عطف فوراً باللازمة: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟
ليعلم الثقلان أن هذا التهديد لم يصدر عن قسوة، بل صدر عن رحمة الرحمن الذي يحذر عباده عذابه قبل وقوعه، ليتوبوا فيرحمهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة اعتبار النذارة والوعيد من الآلاء والنعم:
القائد إذا أنذر جنوده بمكامن الخطر وحقول الألغام عد ذلك الجنود أعظم إحسان ونعمة حمت أرواحهم.
وكذلك إنذار الله للثقلين بالحساب وجهنم هو أعظم سياج أمان يحمي النفوس من الانزلاق إلى الهلاك الأبدي؛ فكان الوعيد من أجلّ الآلاء والنعم.
الجمع بين هيبة الجلال وفيض الجمال: السورة تجمع دائماً بين التحذير الرادع وبين النداء الودود المذكر بالربوبية {رَبِّكُمَا}؛ ليبقى القلب بين الخوف الحادي والرجاء المرجو.
الإشارة التدبرية: من رحمك من أنذرك؛ فاشكر الله على أن بلغك هذا القرآن وفيه نذارة كافية لتنجو بنفسك من أهوال القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر الله على نعمة الإنذار بالوحي: الاستجابة الفورية بالحمد: «لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ».
التوازن في الخطاب الدعوي: أن يجمع الداعية والمربي بين التبشير بالرحمة والإنذار بالحساب، اقتداءً بمنهج سورة الرحمن.
المبادرة برد المظالم والتحلل منها: اغتنام مهلة الحياة الدنيا في التحلل من حقوق العباد قبل يوم الفراغ والمقاصة بالحسنات والسيئات.