ترتفع نبرة الخطاب الإلهي في هذه الآية الكريمة لتعلن عن أعظم وعيد مزلزل للثقلين (الإنس والجن)؛ حيث يؤذن بانتهاء زمن الإمهال والعمل في دار الدنيا، وبدء الحساب والجزاء والقصاص الإلهي العادل في دار الآخرة.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٢٢)مصدر غير محدد٢٣/٢٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ}: قال: وعيد من الله تعالى لخلقه؛ ليس بالله شغل وهو فارغ، ولكنه كقول الرجل للرجل يتوعده: لأتفرغن لك! يقول: سأقصد لقصدك ومحاسبتك بعد أن أمهلتك، وسأجازيك بما قدمت يداك.
وروى أيضاً عن قتادة ومجاهد: يقول: دنا من الله فراغ لخلقه، وتقارب أجل الدنيا؛ والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، ولكن هذا مثل ضربه الله للناس ليفهموا عظمة المحاسبة والجزاء.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٨)مصدر غير محدد٧/٤٦٨: هذا تهديد ووعيد أكيد من الرب تبارك وتعالى للإنس والجن؛ ومعناه: سنقصد لحسابكم ومجازاتكم على أعمالكم التي أسلفتموها في الدنيا، كقول القائل لمن يتوعده: "سأتفرغ لك"؛ ومفهومه: سنقضي بينكم بحكم العدل الذي لا جور فيه؛ والثقلان: الإنس والجن، وسميا ثقلين لأنهما ثقلا الأرض بأجسادهم وأعمالهم، أو لأنهما مثقلان بالتكليف والذنوب.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢٦)مصدر غير محدد١٧/١٢٦: الفراغ في كلام العرب يستعمل على وجهين؛ أحدهما: الفراغ من الشغل؛ وهو منفي عن الله تعالى؛ لأنه سبحانه منزه عن الشغل والتعب واللغوب: {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}. والوجه الثاني: القصد للشيء بعد ترك ما قبله، وهو مجاز في الوعيد والانتقام؛ والمعنى: سينتهي أمد الإمهال الدنيوي ونبدأ في المحاسبة والجزاء الأخروي.
وفي التحرير والتنوير: السين في {سَنَفْرُغُ} لتقريب الوعد وتأكيده؛ والثقلان تثنية ثَقَل، مأخوذ من الثقل والوزن الوازن، دلالة على عظم خطرهما ومسؤوليتهما في هذا الوجود.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{سَنَفْرُغُ}: السين حرف استقبال وتوكيد، نفرغ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره نحن يعود على العظمة الإلهية؛ والفراغ هنا مجاز عن القصد للمحاسبة.
وقرأ حمزة والكسائي: {سَيَفْرُغُ} بالياء المغيبة؛ أي سيفرغ الله لكم، وقرأ الباقون بالنون على التعظيم.
{لَكُمْ}: اللام حرف جر، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر باللام والميم للجمع، وشبه الجملة متعلق بالفعل نفرغ.
{أَيُّهَ}: أيّ منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب بأداة نداء محذوفة (تقديره: يا أيها)، والهاء حرف تنبيه مبني لا محل له من الإعراب؛ وحذفت الألف في الرسم القرآني (أَيُّهَ) اتباعاً للفظ الوصل.
{الثَّقَلَانِ}: نعت أو بدل من (أي) مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد؛ والثقلان الإنس والجن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا التقابل في حركة السياق القرآني!
في الآية (٢٩) قال: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}؛ حيث الإمداد والعطاء والرحمة والرزق الدنيوي المفتوح لكل سائل وطالب.
وهنا في الآية (٣١) يعلن الوعيد: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ}!
لينبه العباد إلى أن دار السؤال والطلب والدعاء الدنيوي لها نهاية، وأن وراءها دار الحساب والمجازاة التي لا تنفع فيها المعاذير.
إفراد الثقلين بالنداء والتحدي: يؤكد اختصاصهما بمسؤولية التكليف وحمل الأمانة دون سائر الحيوانات التي تصير تراباً بعد القصاص.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تنزيه الله عن الشغل والفراغ الحسي:
توهمت بعض الفرق المشبهة أو الملحدين أن ظاهر اللفظ يدل على أن الله كان مشغولاً ثم فرغ!
وأجمع أئمة السنة واللغة على تنزيه الله المطلق عن ذلك؛ فالشغل عجز بشري يعتري القوى المحدودة؛ والله تعالى لا يشغله سمع عن سمع، ولا بصر عن بصر، ولا خلق عن خلق، ولا تدبير عن تدبير؛ بل يحاسب الخلائق جميعاً في ساعة واحدة كنفس واحدة: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}.
واللفظ أسلوب وعيد معروف في كلام العرب الفصحاء، لا يفهم منه إلا الجد الصارم في الحساب والعدل.
سبب تسمية الإنس والجن بـ{الثَّقَلَانِ}:
لأنهما ثقلا الأرض في التكليف وحمل الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال.
ولأنهما يتميزان بالثقل المعنوي والفكري والمسؤولية عن سائر الكائنات المسخرة.
الاستعارة التمثيلية والتهديد الكنائي في {سَنَفْرُغُ لَكُمْ}: كناية عن تفرغ القضاء لإحقاق الحق وانقطاع مهلة الأعمال؛ وهو من أبلغ أساليب التهديد الذي يخلع القلوب؛ فإذا قال ملك من ملوك الدنيا لخصمه: (سأتفرغ لك) طار فؤاده رعباً، فكيف إذا قالها ملك الملوك وجبار السماوات والأرض؟
الإشارة التدبرية: استشعار العبد لوقوفه غداً بين يدي ربه ليس بينه وبينه ترجمان؛ فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستعداد التام ليوم الحساب: محاسبة النفس على النقير والقطمير قبل أن يحين وقت الفراغ للحساب الأكبر.
الخوف والوجل من هيبة الوعيد: استحضار أن كل دقيقة في الدنيا هي فرصة للتوبة والعمل الصالح قبل أن يُغلق السجل.
توحيد الخوف من الله وحده: عدم الخوف من تهديدات الطغاة والمستكبرين؛ فالمتوعد الحقيقي هو الله، وهو الذي سينتصف للمظلومين من الظالمين.