تأتي هذه الآية الكريمة لتفصل ثمار الجنتين العاليتين؛ مبرزة كمال التنوع والوفرة واللذة؛ فليس فيها صنف واحد، بل من كل نوع وصنف من أصناف الفاكهة نوعان كاملان متميزان.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٣٤)مصدر غير محدد٢٣/٣٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ}: قال: زوجان: صنفان ونوعان؛ رطب ويابس، معروف في الدنيا وغريب لا يعرف في الدنيا؛ فالرطب لا يفسد ولا يعفن، واليابس لا يدخله سوس ولا قساوة؛ كلاهما في غاية النضج واللذة والحلاوة والجمال.
وروى أيضاً عن قتادة ومجاهد: زوجان: نوعان متفاضلان؛ أحدهما أفضل من الآخر، وكلاهما في غاية الجودة، كالعنب الأبيض والعنب الأسود، والتين والرمان، ونوع معروف ونوع مجهول لا نظير له في نعيم الدنيا.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٧٣)مصدر غير محدد٧/٤٧٣: أي من جميع أصناف الثمار وفنون الفواكه زوجان؛ أي نوعان: نوع مألوف مما كانوا يعهدونه في الدنيا ولكن بطعم ولذة تفوق الوصف، ونوع غريب مبتكر لم تره عين ولم يخطر على قلب بشر؛ فجمع الله لهم بين نعمة الألفة والتعرف، ونعمة الاستطراف والتجدد والابتكار.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣٤)مصدر غير محدد١٧/١٣٤: الزوجان الصنفان المتشابهان أو المتباينان في الصفة واللذة؛ وتقديم قوله {مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ} يفيد العموم والاستغراق التام؛ فلا تفوتهم فاكهة يشتهونها أو تخطر ببالهم إلا وجدوا منها صنفين يتنافسان في اللذة والطيب.
وفي التحرير والتنوير: هذا الوصف خاص بالجنتين الأوليين العاليتين للمقربين؛ حيث قال: {مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} بالعموم الحاصر؛ بينما قال في الجنتين اللتين دونهما في الآية (٦٨): {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} بذكر بعض الفواكه؛ فظهر تفضيل الأوليين في الوفرة والتنويع المطلق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فِيهِمَا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم يعود على الجنتين.
{مِن كُلِّ}: من حرف جر للتبعيض أو لابتداء الغاية، كل اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف، والجار والمجرور متعلق بحال محذوفة من زوجان.
{فَاكِهَةٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{زَوْجَانِ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد؛ والزوج هو الصنف والنوع المقترن بنظيره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع هذا التسلسل الإعجازي المحكم!
الشجر والأغصان أولاً: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ}.
ثم الري والسقيا ثانياً: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ}.
ثم نضج الثمار واكتمالها ثالثاً: {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ}.
ليتوج المشهد النباتي والغذائي بأبهى وأكمل صورة يمكن أن يتصورها عقل بشري.
التناسق في صيغة التثنية: {زَوْجَانِ} متطابقة مع النظم التثنوي العام (جنتان، أفنان، عينان، تجريان).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفارق الجوهري بين فواكه الدنيا وفواكه الجنة:
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء!".
فالتشابه في الاسم (نخل، رمان، عنب، تين) للتقريب والتفهيم، أما الحقيقة والطعم والرائحة والجمال والنقاء فشيء آخر تماماً من عالم الخلود؛ فثمار الجنة لا تنقطع، ولا شوك في شجرها، ولا حشرات تفسدها، ولا قشور تضايق، ولا تخمة تعقب أكلها، بل يخرج طعامهم رشحاً كالمسك الأذفر.
حكمة وجود الزوجين من كل نوع: التلذذ بالمقارنة والتنويع؛ فإذا أكل المؤمن من هذا الصنف ذاق حلاوة، فإذا أكل من الصنف الآخر ذاق حلاوة أخرى أبدع منها؛ فيتجدد النعيم في كل لقمة.