تنتقل الآية الكريمة بالمجرمين إلى مشهد المواجهة العيانية والتقريع المباشر في قعر الجحيم؛ حيث يقفون وجهاً لوجه أمام العذاب الذي كانوا يسخرون منه في الدنيا.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٢٩)مصدر غير محدد٢٣/٢٩ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: يقال لهم تقريعاً وتوبيخاً وتنديداً وهم يساقون إليها ويطرحون فيها: {هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ}؛ أي هذه هي النار التي كنتم في الدنيا تنكرون وجودها وتكذبون برسل الله حين أنذروكم بها؛ فذوقوها اليوم عياناً!
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٧١)مصدر غير محدد٧/٤٧١: هذا القول تقوله لهم الزبانية والملائكة الموكلون بعذابهم حين يشاهدون جهنم زافرة متغيظة، تقريعاً لهم وإهانة وتصغيراً لشأنهم؛ كما قال تعالى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣١)مصدر غير محدد١٧/١٣١: الإشارة بـ{هَٰذِهِ} للقريب الحاضر المشهود؛ أي يقال لهم وهم على شفيرها يتساقطون: هذه جهنم التي حذركم منها محمد ﷺ والرسل فقلتم سحر وشعر وأساطير؛ فهل ترونها الآن حقاً أم ما زلتم في شككم تعمهون؟
وفي التحرير والتنوير: القول محذوف لدلالة المقام عليه؛ وحذفه يضفي على المشهد هيبة ومفاجأة صاعقة، كأن صوت التوبيخ ينبعث من كل صقع في جهنم ليملأ أسماعهم حسرة وخزياً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{هَٰذِهِ}: الهاء للتنبيه، ذه اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والمشار إليه هو نار جهنم الحاضرة العيانية أمامهم.
{جَهَنَّمُ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، ولم ينصرف للعلمية والتأنيث؛ وجهنم اسم لدار العذاب مأخوذ من الجهومة وهي الغلظة والظلمة والفظاعة، أو من قليب جَهَنَّام إذا كان بعيد القعر مظلماً.
{الَّتِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نعت لجهنم.
{يُكَذِّبُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{بِهَا}: جار ومجرور متعلق بالفعل يكذب.
{الْمُجْرِمُونَ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا التحول من الغيبة إلى الشهود والمواجهة!
في الآية (٤١) قال: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ}.
وهنا في الآية (٤٣) يصل بهم المشهد إلى قعر النار: {هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ}!
فيتحول الكلام من الإخبار عنهم إلى مواجهتهم المباشرة بالتقريع والتنديد؛ ليكون أوقع في حسرتهم وانكسار قلوبهم.
مطابقة الواقع للموعود: يرون بأعينهم ما سمعوه بآذانهم في الدنيا؛ فتتحول النذارة القرآنية الغيبية إلى حقيقة حسية لا مهرب منها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط الفلسفات المادية المنكرة للغيب:
كان الملاحدة والمشركون يقولون: لا نؤمن إلا بما نراه ونلمسه بحواسنا!
فجاءت الآية لتوقفهم أمام الحقيقة الحسية المباشرة: {هَٰذِهِ جَهَنَّمُ}؛ ولكن حين لا ينفع الإيمان ولا تقبل التوبة!
فالعاقل من آمن بالغيب واستجاب للنذير قبل أن يرى العذاب عياناً: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}.
دلالة التعبير بـ{الْمُجْرِمُونَ}: وضع الظاهر موضع المضمر (لم يقل: تكذبون بها) لبيان علة العذاب؛ وهي أن تكذيبهم وجهودهم للحق هو عين الإجرام الذي استحقوا به هذا المصير.