يتكرر هذا النداء والتقريع الإلهي للمرة الثانية في السورة الكريمة، ليوجه الخطاب مباشرة إلى الصنفين اللذين فُصل أصل خلقهما في الآيتين السابقتين (الإنسان والجان).
روى الطبري (ج ٢٣، ص ١٣)مصدر غير محدد٢٣/١٣ عن قتادة: يقول تعالى: فبأي نعمة من نعم ربكما يا معشر الإنس والجن تكذبان؟ أبنعمته في خلقكم وإحياء أبدانكم وتركيبكم في أحسن خلقة، أم ببيان أصل نشأتكم وهدايتكم لما فيه نجاتكم؟
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٤)مصدر غير محدد٧/٤٦٤: لما ذكر الله تعالى خلق الإنسان وخلق الجان، وأنهما معنيان بالخطاب ومخاطبان بالتكليف، ردد عليهما التوبيخ والتقريع: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟ أي فبأي أيادي ربكما ونعمه التي ترونها في خلقكم وتركيبكم تجحدان؟
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٩)مصدر غير محدد١٧/١١٩: التكرار هنا وقع بعد نعمة جديدة؛ وهي نعمة الإيجاد والنشأة؛ فكلما عدد الله تعالى نعمة جدد عليها التوبيخ والإنكار إن كذبوا بها، أو التحضيض على الشكر إن أقروا بها.
وأوضح ابن عاشور في التحرير والتنوير أن ورود اللازمة هنا بعد تفصيل مادة الخلق للإنسان والجان يؤكد أن نعمة الخلق ذاتها متضمنة لملايين الآلاء والوظائف الحيوية؛ فاستحقت تعقيباً مستقلاً بالحمد والشكر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَبِأَيِّ}: الفاء عاطفة تفريعية أو فصيحة، الباء حرف جر، أي اسم استفهام مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف، وشبه الجملة متعلق بالفعل المؤخر تكذبان.
{آلَاءِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف.
{رَبِّكُمَا}: رب مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم والألف للتثنية، والمقصود الثقلان.
{تُكَذِّبَانِ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع هذا التناسب والترتيب!
في الموضع الأول (الآية ١٣) جاءت اللازمة عقب نعم عامة: الوحي، الفلك، النبات، الميزان.
وهنا في الموضع الثاني (الآية ١٦) جاءت عقب التخصيص الدقيق لأصل خلق كل من المخاطبين الاثنين: الإنسان من صلصال، والجان من مارج.
فكأنه يقول: ها أنتم قد عرفتم من أي شيء خُلقتم وكيف صورتم؛ فبأي هذا الفضل تكذبان؟
وهذا يقطع أي عذر للتكبر أو التعالي على الرسل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شكر نعمة الإيجاد والتصوير:
هل كان للإنسان أو الجني يد في اختيار مادته أو صورته؟
الجواب البديهي: لا! بل هو فضل الرحمن المحض؛ فإذا كان أصل وجودك منة من غيرك، فكيف تعصيه بجوارحك التي أنعم بها عليك؟ وكيف تنكر قدرته على إعادتك؟
دفع التكذيب بالفعل واللسان: الآية تلزم الثقلين بأن يكون الرد بالعمل والخضوع، فلا يكتفي العبد بالإقرار اللفظي بينما تصرفاته تكذب نعمة ربه بالمعصية والكفران.
سر التكرار النظمي والترديد الإيقاعي: هذا الترداد يوقظ القلب من غفلته؛ فالنفس إذا سمعت الموعظة مرة قد تنسى، فإذا تكررت عليها الحجة عقب كل آية تلعثم لسان الجحود وانفتح باب الشكر والإنابة.
الإشارة التدبرية: المؤمن يستحضر في هذا الموضع جواب الجن الصادقين: «لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ»؛ فيلهج لسانه بالحمد عند كل موضع من هذه الآيات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتراف بالفضل والقصور في الشكر: أن يعترف المسلم بفقره وعجزه أمام آلاء الله التي لا تعد ولا تحصى: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}.
الحذر من مشاركة الجن العاصين في كفران النعم: دعوة الإنس والجن إلى التنافس في الطاعة والحمد بدلاً من التنافس في التكذيب والضلال.
تعميق الرابطة الإيمانية مع عالم الغيب: الإيمان بأن الجن مكلفون ومسؤولون، والدعاء لإخواننا من مؤمني الجن بالثبات والمغفرة.