بعد أن استعرضت السورة الكريمة مصير الأشقياء المجرمين في جهنم وطوافهم بينها وبين حميم آن، تفتح هذه الآية الكريمة أبواب الفرج والنعيم المقيم للمتقين الأبرار، في تحول رباني بديع يملأ القلوب رجاء وشوقاً إلى رضوان الله.
روى البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، حديث رقم ٤٨٧٨)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨٧٨ ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، حديث رقم ١٨٠)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٠ عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه (أبي موسى الأشعري رضي الله عنه) أن رسول الله ﷺ قال: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا كِبْرِيَاءُ وَجْهِهِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ».
وروى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٣٠)مصدر غير محدد٢٣/٣٠ عن ابن عباس ومجاهد في قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}: قال: هو العبد يهم بالمعصية في خلوته، فيذكر مقام ربه عليه واطلاعه عليه، وموقفه للحساب بين يديه، فيخاف الله ويدع المعصية خشية لله؛ فله عند الله جنتان.
وروى أيضاً عن قتادة والحسن: خاف قيامه بين يدي ربه للحساب، فعمل بطاعته وانتهى عن معصيته؛ فله جنتان: جنة لمنزله وقصوره، وجنة لبساتينه وأنهاره، أو جنة جزاءً على إيمانه، وجنة جزاءً على خوفه وتركه للشهوات.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٧٢)مصدر غير محدد٧/٤٧٢: الخوف من مقام الرب هو الأصل الأصيل للنجاة؛ وهو استحضار عظمة الله وقيوميته ومراقبته للعبد، فيمتنع العبد عن الحرام ويؤدي الفرائض؛ وجزاؤه عند ربه جنتان عظيمتان من ذهب وفضة وسائر النعيم.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣٢)مصدر غير محدد١٧/١٣٢: الجنتان: بستانان عظيمان؛ قيل: لكل خائف جنتان: جنة عدن وجنة النعيم، أو جنة لإنسيته وجنة لجنيته إن كان من الجن، أو جنة دار الثواب وجنة دار الزيادة؛ والتحقيق النبوي الصريح في حديث أبي موسى أن للمقربين جنتين من ذهب، ولأصحاب اليمين جنتين من فضة كما سيأتي في قوله: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلِمَنْ}: الواو استئنافية عاطفة على سياق الجزاء، اللام حرف جر للاستحقاق والاختصاص، مَنْ اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر مقدم؛ ومَنْ تعم كل خائف من الإنس والجن.
{خَافَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على من، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{مَقَامَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف؛ والمقام مصدر ميمي بمعنى قيام العبد بين يدي ربه للحساب، أو قيام الرب ومراقبته على كل نفس بما كسبت: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}.
{رَبِّهِ}: رب مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{جَنَّتَانِ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد؛ والجنتان البستانان العظيمان الملتفان بالشجر والنعيم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذا الانتقال من قعر الجحيم إلى ذروة الجنان!
إضافة المقام إلى الرب {مَقَامَ رَبِّهِ}: إضافة تعظيم ومهابة؛ تستحضر في ذهن المؤمن جلال الله ووقوف الخلائق خاشعين بين يديه.
التثنية في {جَنَّتَانِ}: للدلالة على مضاعفة الإكرام؛ فليست حديقة واحدة، بل جنتان يتنقل بينهما في فيض النعيم، إحداهما لمقامه ودار ضيافته، والأخرى لبساتينه ونزهته.
الإشارة التدبرية: أعظم لحظات الصدق أن تعرض عليك المعصية في خلوة تامة لا يراك فيها أحد إلا الله، فتتذكر {مَقَامَ رَبِّهِ} فتتركها؛ فهذه اللحظة الواحدة تشتري بها جنتين أبدتين عند مليك مقتدر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تربية النفس على مراقبة الله في الخلوات: استشعار اطلاع الله الدائم على خفايا الصدور؛ فإن مقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.
الجمع بين الخوف والعمل: تحويل الخوف من عذاب الله إلى طاقة إيجابية للبناء وعمارة الحياة بالخير والإحسان.
الشوق إلى نعيم الجنة: استحضار أن كل لذة دنيوية محرمة يتركها المسلم لله سيعوضه الله خيراً منها في الجنتين.