تصور هذه الآية الكريمة مشهداً كونياً مهيباً من أهوال يوم القيامة؛ حين يختل النظام السماوي العظيم وتتصدع السماوات السبع وتتبدل ألوانها وهيئاتها المتماسكة.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٢٦)مصدر غير محدد٢٣/٢٦ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ}: قال: انشقاقها: انفطارها بالغمام وتصدع أبوابها لنزول الملائكة؛ {فَكَانَتْ وَرْدَةً}: قال: كالفرس الورد؛ يتغير لونها في الحمرة والصفرة والشهبة باختلاف أوقات الحساب وهول الموقف؛ {كَالدِّهَانِ}: قال: كالأديم الأحمر المدهون، وقيل: كعكر الزيت المذاب يغلي في المرجل ويتميع لونه.
وروى أيضاً عن مجاهد وقتادة والضحاك: وردة كالدّهان: أي ذابت من شدة الهول والحرارة فصارت دهناً مائعاً ذا حمرة، تشبه الزيت المغلي أو الجلد الأحمر المذاب.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٩)مصدر غير محدد٧/٤٦٩: {فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ} أي تصدعت يوم القيامة؛ كما قال: {وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ}؛ {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} أي تذوب كما يذوب الرصاص والفضة في الكير، وتتلون بألوان شتى: تارة حمراء كالورد، وتارة صفراء، وتارة سوداء مغبرة كعكر الدهن؛ من شدة الهول والحرارة واختلال القوانين الكونية.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢٩)مصدر غير محدد١٧/١٢٩: الوَرْدة: واحدة الورد المعروف في لونه وحمرته؛ وشبهت السماء بالوردة في الحمرة وتغير الألوان؛ وشبهت بالدهان في الذوبان والسيولة والتميع؛ وقيل: الدهان جمع دُهن كقُرط وقِراط، وهو ما يدهن به؛ والمعنى: ذابت وصلبت وسالت كالمائع.
وفي التحرير والتنوير: هذا تصوير حسي لانحلال الروابط الذرية والجاذبية للأجرام السماوية؛ فالسماء التي كانت سقفاً محفوظاً صامداً تتفجر وتتحول إلى غازات ومواد منصهرة ملونة كالورد والدهن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَإِذَا}: الفاء استئنافية عاطفة، إذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه المحذوف (تقديره: فإذا انشقت السماء رأيت أمراً عظيماً هائلاً، أو فما أعظم هول ذلك اليوم).
{انشَقَّتِ}: انشق فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين؛ والانشقاق الانفطار والتصدع والانفصال.
{السَّمَاءُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والجملة في محل جر بالإضافة لإذا.
{فَكَانَتْ}: الفاء عاطفة لبيان سرعة الصيرورة والتحول، كان فعل ماض ناسخ مبني على الفتح، واسمه ضمير مستتر تقديره هي يعود على السماء.
{وَرْدَةً}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ والوردة لون الحمرة المشربة بصفرة كلون زهر الورد أو الفرس الورد.
{كَالدِّهَانِ}: الكاف حرف تشبيه وجر، الدهان اسم مجرور بالكاف وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وشبه الجملة في محل نصب نعت لوردة أو حال؛ والدهان هو الدهن المائع أو الأديم المدهون الأحمر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم التقابل والترتيب النظمي الباهر!
في مطلع السورة (الآية ٧) ذكر نعمة استقرار السماء وبنائها ورفعها: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا}.
وهنا في الآية (٣٧) يصور مشهد انفطار هذا السقف المرفوع وزواله: {فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ}!
فيتكامل المشهد في ذهن السامع: الذي رفع السماء وحفظها بقدرته، هو الذي يأذن بانفطارها وتصدعها بأمره، لتنتهي مرحلة الدنيا وتبدأ حقائق الآخرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز العلمي في فيزياء النجوم والسدم الفضائية:
التعبير بـ{وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} يحمل إعجازاً بصرياً وكونياً مذهلاً كشفت عنه مراصد الفضاء الحديثة وتلسكوب هابل وجيمس ويب؛ حيث تبين أن موت النجوم العملاقة وتفجرها (ظاهرة المستعر الأعظم والسدم الكوكبية) ينتج عنه سحب غازية وغبار كوني ملتهب يتشكل تماماً في صورة زهرة وردية ذات ألوان متدرجة من الحمرة والبرتقالي تذوب في الفضاء كمائع دهني يغلي!
وهذا الوصف الدقيق لانشقاق السماء وهيئتها كالوردة والدهان دليل قطعي على أن هذا القرآن من لدن خالق الكون ومفجره.
جواب (إذا) المحذوف: بلاغة الحذف تهدف إلى تهويل الأمر؛ فلو ذكر الجواب لحصر الهول في لفظ محدود، وحذفه يطلق الخيال ليتصور أقصى غايات العظمة والرهبة.
التشبيهان المتتابعان في تركيب واحد: {وَرْدَةً كَالدِّهَانِ}: شبهها بالوردة في اللون والحمرة وتغير الألوان، وشبهها بالدهان في الرقة والسيولة والميعان؛ فجمع بين الوصف اللوني والوصف الحركي الفيزيائي في غاية الإيجاز.
الفاء في {فَكَانَتْ}: تدل على سرعة التحول بمجرد الانشقاق؛ فلا تحتاج إلى زمن لتتلاشى صلابتها، بل تستحيل مائعاً في طرفة عين بأمر الله.
الإشارة التدبرية: إذا كانت السماء الصلبة الشامخة التي بنيت بأيدٍ وزينت بمصابيح تتفطر وتذوب كالدهن من هول ذلك اليوم؛ فكيف بقلب هذا الإنسان الضعيف؟ ألا يخشع ويذوب خوفاً وطاعة لله؟
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ عقيدة اليوم الآخر وأهوال القيامة: تذكير الناس بالزلزلة الكبرى وانفطار السماوات، لتستيقظ القلوب من سكرة الغفلة والغرور بالدنيا.
خشوع القلب وجلائه بالقرآن: تلاوة هذه الآيات بخشوع وتدبر؛ ليرق القلب القاسي وتفيض العين بدموع التوبة.
الاستمساك بمرضاة الله: اليقين بأنه لا عاصم يوم انشقاق السماء إلا رحمة الله ورضوانه؛ فليكن سعي العبد كله في طلب هذا الرضوان.