تختم الآية الكريمة ذكر خيرات الأرض ببيان أعظم أقوات البشر؛ وهو الحب الذي تقوم به البنية الإنسانية، مقروناً بما تتغذى به الدواب وما يتنسمه الإنسان من الروائح الطيبة والرياحين.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٩)مصدر غير محدد٢٣/٩ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ}: قال: الحب: سائر الحبوب التي يقتات بها الناس؛ كالقمح والشعير والذرة والدخن والأرز؛ و{ذُو الْعَصْفِ}: العصف هو ورق الزرع والتبن الذي يكون غذاءً وعلفاً للأنعام والدواب؛ و{الرَّيْحَانُ}: الرزق في لغة حمير وقريش، وقيل: هو النبت الطيب الرائحة المشموم الذي يبهج النفس.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٣)مصدر غير محدد٧/٤٦٣: الحب هو الحنطة والشعير ونحوهما مما يقتات به ويدخر؛ وذو العصف: ما عليه من التبن والورق والغلاف كالقصل؛ والريحان: المشام الطيبة؛ فجمع الله للإنسان بين القوت الأساسي (الحب)، وعلف دوابه التي يركبها ويأكل لحومها (العصف)، والمتعة النفسية بالروائح العطرة الفواحة (الريحان).
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٦)مصدر غير محدد١٧/١١٦: قرأ الجمهور: {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} برفع الثلاثة عطفاً على فاكهة والنخل؛ وقرأ ابن عامر بالرفع في الحب وذو، وخفض الريحانِ عطفاً على العصفِ (أي ذو العصف وذو الريحان)؛ وقرأ حمزة والكسائي وخلف بنصب الثلاثة: {وَالْحَبَّ ذَا الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانَ} عطفاً على الأرضَ في الآية (١٠) أي ووضعَ الحبَّ ذا العصف والريحان؛ وكلها قراءات متواترة صحيحة تبرز سعة المعنى وجلال النعمة.
وأوضح السعدي (ص ٨٢٨)مصدر غير محدد٨٢٨: هذا من تمام لطف الله بعباده؛ أن جعل أصل غذائهم نافعاً لأبدانهم، وما يفضل منه نافعاً لحيواناتهم، وجعل في الأرض الريحان طيب الرائحة لتنشرح به النفوس وتصح به الأبدان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالْحَبُّ}: الواو حرف عطف، الحب معطوف على فاكهة والنخل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو اسم جنس يشمل جميع الحبوب المقتاتة.
{ذُو}: نعت للحب مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف.
{الْعَصْفِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والعصف في اللغة: ورق الزرع وقشره وتبنه الذي تعصف به الريح؛ ومنه قوله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}.
{وَالرَّيْحَانُ}: الواو حرف عطف، الريحان معطوف على الحب مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة (على قراءة الجمهور)؛ والريحان مصدر من الروح أو الرائحة الطيبة؛ وهو كل نبت طيب الريح أو الرزق الواسع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا الجمع الاستيعابي المحيط بمصالح المعاش!
غذاء التلذذ الإنساني: {فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ}.
غذاء القوت والضرورة الإنساني: {وَالْحَبُّ}.
غذاء الحيوان والدواب التابعة للإنسان: {ذُو الْعَصْفِ}.
فلم يترك القرآن جانباً من جوانب احتياج الكائنات الحية إلا عده وأبرز فضله؛ لتقوم الحجة التامة على المكلفين قبل مجيء التوبيخ والإنذار في الآية التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تكامل المنظومة الحيوية النباتية والحيوانية:
سنبلة القمح ليست مجرد حبة طعام؛ بل تحيط بها قشور وتبن (عصف) يحميها من الطيور والأمطار حتى تجف، ثم إذا حصدها الإنسان أخذ الحب لطعامه وقدّم العصف لدوابه، فلا يهدر منها شيء!
هذا التدوير البيولوجي المحكم دليل باهر على حكمة الصانع ورحمته التي تدبر قوت الراعي والماشية معاً.
الجمع بين المنفعة الحسية واللذة الجمالية: خلق الريحان والروائح العطرة دليل على أن الكون مبني على الجمال والبهجة وليس فقط على مجرد الضرورة المادية البحتة، مما يدحض الرؤى المادية الجافة.
قراءة الرفع: {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} تبرز أن هذه الأعيان مبتدآت في الوجود ناطقة بالفضل.
قراءة النصب: {وَالْحَبَّ ذَا الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانَ} تبرز فعل الخلق الإلهي والوضع للأنام مباشرة.
قراءة الجر: {وَالرَّيْحَانِ} تجعل الريحان صفة للحب ذاته؛ أي حب له عصف طعام وله رائحة طيبة كالحنطة في سنبلها.
الإشارة التدبرية: الحبة تبلى في جوف الأرض المظلم ثم تنفلق وتخرج سنبلة خضراء تفيض بالحب؛ وفي هذا أعظم برهان على البعث والنشور وإحياء الموتى؛ فمن أخرج الحب من التراب قادر على بعث الأجساد من القبور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة رغيف الخبز والأقوات: تقدير نعمة الطعام وعدم الإسراف أو إلقاء بقايا الخبز في القمامة؛ فإن كسرة الخبز ثمرة لتعاقب الشمس والقمر والمطر وتربة الأرض وعمل آلاف السواعد.