تنتقل الآية الكريمة لتصف ذروة سنام النعيم الإنساني والبهجة الوجدانية في الجنة؛ وهي نعمة الأزواج المطهرة من الحور العين والنساء الصالحات ذوات العفة والجمال الفائق.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٣٦)مصدر غير محدد٢٣/٣٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير في قوله: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}: قال: قاصرات الطرف: عفيفات، قصرن أطرافهن (أي عيونهن وأبصارهن) على أزواجهن؛ فلا ينظرن إلى غيرهم، ولا يرين في الجنة أحداً أحسن من أزواجهن، وتقول إحداهن لزوجها: "وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئاً أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلك لي وجعلني لك!".
وروى أيضاً عن ابن عباس والشعبي والضحاك في قوله: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}: قال: الطمث في كلام العرب: هو الجماع والنكاح وإدماء البكارة؛ أي هن أبكار عذارى، لم يمسهن ولم يجامعهن أحد قبلهن؛ نساء الإنس لم يطمثهن إنس، ونساء الجن لم يطمثهن جان؛ وقيل: الحور العين أنشأهن الله نشأة مخصوصة في الجنة أبكاراً عذارى لم يمسهن أحد من الثقلين.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٧٣)مصدر غير محدد٧/٤٧٣: قاصرات الطرف: أي غضيضات عن غير أزواجهن، لا تطمح إحداهن إلى غير بعلها، ولا يمتد بصرها لسواه؛ وهن في غاية العفة والجمال والصفاء، بكر لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان؛ وفي هذا دليل صريح على أن الجن كالإنس يدخلون الجنة وينعمون بأزواجهم من الحور ومن نساء الجن المؤمنات.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣٦)مصدر غير محدد١٧/١٣٦: الطمث في اللغة: الافتضاض والنكاح؛ وطمثها إذا باشرها واقتضها؛ والمراد أنهن أبكار مطهرات من كل دنس وعيب، عذارى دائمات البكارة، كلما جامعها زوجها وجدها بكراً؛ كما قال تعالى: {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا}.
وفي التحرير والتنوير: الضمير في {فِيهِنَّ} يعود على الجنتين وما اشتملتا عليه من القصور والخيام والغرف؛ وجاء بضمير الجمع (هن) لأن الجنتين تشتملان على أماكن وبساتين ومنازل متعددة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فِيهِنَّ}: في حرف جر، و(هن) ضمير متصل مبني على الفتح في محل جر بفي يعود على الجنان والمنازل المتقدمة، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{قَاصِرَاتُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف؛ وقاصرات جمع قاصرة، وهي التي تقصر بصرها على زوجها عفة وحباً.
{الطَّرْفِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والطرف في اللغة تحريك الجفن، والمراد به البصر والعين.
{لَمْ}: حرف نفي وجزم وقلب.
{يَطْمِثْهُنَّ}: يطمث فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به والنون للنسوة؛ والطمث المساس والجماع.
{إِنسٌ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{قَبْلَهُمْ}: قبل ظرف زمان منصوب وهو مضاف، والهاء مضاف إليه والميم للجمع، متعلق بيطمث.
{وَلَا}: الواو حرف عطف، لا نافية لتأكيد العموم والاستغراق.
{جَانٌّ}: معطوف على إنس مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ والجملة الفعلية في محل رفع نعت ثان لقاصرات الطرف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع التقابل بين نعيم الأجساد ونعيم القلوب والأرواح!
ذكر في الآية (٥٤) نعيم الفرش والراحة: {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ}.
فناسب جداً أن يذكر الجليس والرفيق والزوج الذي يكتمل به الأنس على تلك الفرش في الآية (٥٦): {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}!
فالجنة دار كمال الأنس والبهجة؛ والفرش الفاخرة لا تطيب إلا بالزوجة الصالحة العفيفة الجميلة التي تقر بها العين ويسكن إليها القلب.
التعبير بـ{قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}: تقديم جمال العفة والأخلاق على جمال الصورة والجسد؛ لأن عفة المرأة وقصر بصرها على زوجها هو أعظم ما يسعد به الرجل ويملأ قلبه طمأنينة وغيرة ومحبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ثبوت دخول مؤمني الجن الجنة ونيلهم النعيم:
يستدل المفسرون وأهل السنة بهذه الآية الكريمة: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} كبرهان قطعي على أن مؤمني الجن يدخلون الجنة، وأن لهم أزواجاً من جنسهم يطمثونهن؛ إذ لو كان الجن لا يدخلون الجنة ولا ينكحون فيها لم يكن لنفي طمث الجان هنا أي معنى أو فائدة!
فدل القرآن على عدل الله التام ورحمته التي وسعت المكلفين من الثقلين.
كمال العفة والبكارة الأبدية: نساء الجنة مطهرات من الحيض والنفاس والأذى البشري، مع دوام البكارة والشباب والغنج المحمود الذي يديم المحبة بين الزوجين.
الإضافة البيانية في {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}: أبلغ صفات المدح للمرأة؛ فالطرف القاصر يدل على الحياء، والعفة، وتمام الرضا بالزوج، وعدم التطلع إلى غيره، مما يجعل الزوج يشعر بأنه ملك متوج في قلبها.
الإشارة التدبرية: الجزاء من جنس العمل؛ من غض بصره في الدنيا عن محارم الله وأطاع ربه، رزقه الله في الجنة قاصرات الطرف اللاتي قصرن أبصارهن عليه لا ينظرن إلى سواه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس العفة والحياء في نساء المؤمنين: دعوة المرأة المسلمة إلى التأسي بصفات قاصرات الطرف في غض البصر، وحفظ العرض، وقصر المودة والزينة على الزوج.
غض البصر عن الحرام للرجال: الاستمساك بوصية القرآن: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}، رغبة في الفوز بالحور العين وقاصرات الطرف في جنات الخلد.
تعظيم الميثاق الغليظ في الزواج: بناء البيوت في الدنيا على المودة والسكينة والعفة لتكون امتداداً لبيوت الجنة.