إن تكرار هذه الآية الكريمة بعد قوله تعالى: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} تذكير بنعمة تفاوت الدرجات وتعدد الجنان وسعة رحمة الله التي وسعت أهل الإحسان وأهل الاقتصاد.
قال الطبري: فبأي نعمة من نعم ربكما معشر الثقلين من الجن والإنس تكذبان، وقد جعل لأهل الطاعة عنده جنات متفاوتة يتبوأ كل عامل فيها المنزلة اللائقة بعمله وفضل ربه؟
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}:
إعرابها متطابق مع المواضع السابقة: الفاء رابطة، الباء حرف جر، أي اسم استفهام مجرور وهو مضاف، وآلاء مضاف إليه مجرور، ورب مضاف إليه ثان، والكاف ضمير متصل في محل جر مضاف إليه والميم والألف للتثنية، وتكذبان فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والألف فاعل، والجار والمجرور متعلق بتكذبان، والاستفهام للتقرير والتوبيخ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موضع الآية ومناسبتها:
لما فتح الله للخلائق باب الجنتين الأخريين حتى لا ينقطع رجاء المقصرين أو الأبرار من غير السابقين، جاءت هذه الآية تعظيماً لهذه النعمة العظيمة؛ فالرحمة الإلهية فتحت منازل متعددة لم تبق الجنة حكراً على المقربين وحدهم، بل شملت أصحاب اليمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
لماذا يعد التفاوت بين الجنان نعمة يستحق الثناء عليها؟
الجواب: لأن التفاوت مقتضى العدل والحكمة؛ فلو سوي بين السابق المحسن الذي بذل روحه وماله ووقته وبين المقتصد لكان في ذلك هضم لجهد المحسن، ولو حصرت الجنة في السابقين لقنط عامة المؤمنين، فكان تنوع المنازل وإيجاد جنات دون الجنات الكبرى رحمة تامة بكل من دخل في دائرة الإيمان والعمل الصالح.
يشكل هذا التكرار فاصلاً إيقاعياً يوقظ القلب مع كل انتقال من مشهد إلى مشهد؛ فينبه الثقلين إلى أن النعمة ليست في العطاء فقط، بل في تنوع العطاء وتفصيله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس فضيلة الاعتراف بالنعمة:
دعوة كل مؤمن إلى استشعار سعة فضل ربه، وأن كل نعمة يتنعم بها المخلوق في الدنيا والآخرة هي فضل محض من الله تعالى، يقابله العبد بالإقرار والمحبة والعمل الصالح.