قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «نضاختان: أي فوارتان بالماء لا تنقطعان».
وروى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ٨٤)جامع البيانالطبري٢٣/٨٤ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «تنضخان بالمسك والعنبر في دور أهل الجنة كما ينضح المطر في دوركم».
ونقل ابن كثير عن مجاهد والحسن وعكرمة قالوا: «تنضخان بالماء، والنضخ أكثر من النضح وأقوى تدفقاً وفوراناً».
قال القرطبي: «نضاختان: أي فوارتان بالماء، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضح بالحاء المهملة؛ فالنضخ التدفق والامتلاء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فِيهِمَا}: في حرف جر، والهاء ضمير متصل في محل جر والميم والألف للتثنية، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{عَيْنَانِ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين.
{نَضَّاخَتَانِ}: نعت مرفوع وعلامة رفعه الألف؛ ونضاخة صيغة مبالغة على وزن (فَعَّالَة) من النَّضْخ بالخاء المعجمة.
فلما كان المقام مقام نعيم الآخرة جاءت الصيغة بالخاء المفخمة مع المبالغة {نَضَّاخَتَانِ} لتدل على تدفق هائل لا ينضب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقارنة النظمية بين عيون الجنتين:
في الجنتين الأوليين: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ}؛ والجريان أعلى وأشمل؛ لأن الماء الجاري يسير في قنوات وجداول متدفقة ممتدة تسقي سائر البساتين من غير انقطاع وتنساب برقة وهدوء.
وفي الجنتين الأخريين: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ}؛ وهما تنبغان وتفوران بالماء في موضعهما نبغاً دائماً، والجريان أرفع قدراً من مجرد النضخ في المنبت؛ فكانت الأوليان للمقربين والأخريان لأصحاب اليمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هل النضخ يعني الرش الخفيف الذي يزعج الجالسين؟
الجواب: معاذ الله؛ فالقرآن استعمل النضخ لبيان فوران النبع وتدفقه من الأرض كما يفور الماء الصافي الرقراق، أو تدفق العطور والمسك من عيون الرياحين، وكل نعيم الجنة طاهر من كل منغص أو أذى، فماؤها أصفى من الزلال وريحها أزكى من المسك.
{نَضَّاخَتَانِ} على وزن فَعَّال يدل على التكرار والاستمرار والقوة الذاتية للنبع؛ فهي لا تحتاج إلى آلات رفع ولا تجف مع تطاول الأزمان.
استحضار صوت الماء المتدفق:
جرس الكلمة بما فيها من رخاوة الخاء وألف المبالغة ينقل للسامع صدى خرير الماء وتدفقه، باعثاً في النفس أعمق مشاعر الارتياح والانشراح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استذكار نعمة الماء الزلال:
جعل الله الماء قوام الحياة في الدنيا وأساس النعيم في الآخرة، والمؤمن يتذكر برؤية الماء في الدنيا نعم جنات الخلد، فيدعوه ذلك إلى دوام شكر ربه وابتغاء نعيم جواره.