روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ٨٨)جامع البيانالطبري٢٣/٨٨ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «الرفرف: المجالس والمخاد الخضر ورياض الجنة؛ والعبقري: الطنافس والبسط الموشاة المنقوشة الحسان».
وعن سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة قالوا: «الرفرف: البسط والفرش العالية والوسائد الخضر التي تتدلى من فوق المجالس أو تفرش تحتهم».
قال الحافظ ابن كثير: «الرفرف: الوسائد المتكأ عليها، وقيل: الفرش المرتفعة؛ والعبقري: البسط الحسان، وكل ثوب وشيء موشى بديع الصنعة تسميه العرب عبقرياً».
وقال الإمام القرطبي: «أصل العبقري في كلام العرب: كل شيء فائق فاخر في صنعه ونفاسته؛ ينسبونه إلى عبقر، وهي أرض يزعمون أن الجن تصنع فيها الأشياء العجيبة، فاستعير لكل فائق رائع، ومنه قول النبي ﷺ في عمر رضي الله عنه: فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُتَّكِئِينَ}: حال منصوبة وعلامة نصبها الياء لأنها جمع مذكر سالم، وصاحب الحال الضمير في {قَبْلَهُمْ} العائد على أهل الجنة.
{عَلَىٰ}: حرف جر يفيد الاستعلاء والتمكن.
{رَفْرَفٍ}: اسم مجرور بعلى وعلامة جره الكسرة؛ والرفرف في اللغة يطلق على:
ما تدلى من أطراف الفرش أو الأسرة أو الستائر.
والوسائد المتكأ عليها.
والشجر الناعم الريان المتمايل.
{خُضْرٍ}: نعت لرفرف مجرور بالكسرة؛ وجمع خضراء على خُضْر بالنظر إلى أجزاء الرفرف وأنواعه، أو لأن رفرف اسم جنس جمعي.
{وَعَبْقَرِيٍّ}: الواو حرف عطف، عبقري معطوف على رفرف مجرور بالكسرة الظاهرة؛ وهو الطنافس والزرابي الفاخرة المحكمة النسج والزخرفة.
{حِسَانٍ}: نعت لعبقري مجرور وعلامة جره الكسرة، وجمع حسان مع إفراد عبقري لأن عبقري اسم جنس يصدق على الجمع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة بين مجالس الجنتين الأوليين والأخريين:
في الجنتين الأوليين قال: {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ}؛ فوصف بطائن الفرش بأنها من الديباج الغليظ، فكيف بظواهرها التي تلي أجسادهم؟
وفي الجنتين الأخريين قال: {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ}؛ فوصف المجالس بالرفرف والوسائد الخضر والطنافس والزرابي الموشاة العبقرية.
وكلا المشهدين في غاية الأبهة والراحة الملكية الباذخة التي تليق بدار الخلود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دلالة الاتكاء في القرآن:
الاتكاء صفة الملوك والمنعمين، ولا يكون إلا لمن فرغ باله من التعب والنصب والهموم؛ فأهل الجنة لا قيام عليهم في خدمة، ولا تعب يلحق أجسادهم، بل هم في استرخاء دائم ونعيم مقيم: {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ}.
تفسير نسبة (العبقري):
استعمال القرآن للفظ العبقري موافقة للسان العرب في إطلاق اللفظ على أعلى مراتب الإتقان والجمال الذي يبهر العقول، مع تجريده من الخرافات؛ فبسط الجنة من صنع الخالق العظيم الذي لا يدانيه صنع.
اختيار اللون الأخضر {خُضْرٍ} للرفرف يتناسق مع قوله {مُدْهَامَّتَانِ}؛ فاللون الأخضر هو لون السلام والراحة النفسية ونضارة الحياة، وجمعه مع العبقري الموشى بالألوان يعطي مشهداً فنياً تأسر روعته الأبصار والقلوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الزهد في زخارف الدنيا الفانية:
طنافس الدنيا وفرشها تبلى وتتمزق، وملك الدنيا يزول، فمن رغب في العبقري الحسان والرفرف الخضر فليرفع يديه عن حطام الدنيا المحرم، وليقبل على خدمة ربه ومولاه.