تكشف هذه الآية الكريمة عن سر بقاء البحرين المتلاقيين متمايزين؛ بوجود حاجز إلهي محكم يحول دون طغيان أحدهما على الآخر وإفساد خصائصه.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ١٦)مصدر غير محدد٢٣/١٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ}: قال: البرزخ: الحاجز من قدرة الله وسلطانه؛ لا يبغيان: أي لا يبغي أحدهما على صاحبه فيفسده؛ فلا يطغى المالح على العذب فيذهب عذوبته، ولا يبغي العذب على المالح فيذهب ملوحته التي بها صلاح أهله؛ وقيل: البرزخ هو اليبس واليابسة من الأرض التي تفصل بين البحرين.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٥)مصدر غير محدد٧/٤٦٥: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ} أي حاجز من قدرة الله تعالى وتقديره، {لَّا يَبْغِيَانِ} أي لا يطغى أحدهما على الآخر؛ بل لكل واحد منهما حيزه وطبيعته التي لا يتعداها ولا يمتزج بالآخر امتزاجاً يزيل خواصه، لحكمة بالغة ومصلحة كبرى لخلائق البر والبحر.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢١)مصدر غير محدد١٧/١٢١: البرزخ في كلام العرب: الحاجز بين الشيئين والفاصل بينهما؛ ومنه قيل للوقت الذي بين الموت والبعث: برزخ؛ والبغي هنا التعدي ومجاوزة الحد؛ أي لا يطغى هذا على هذا، بل يقف كل منهما عند حده المقدر له.
وفي التحرير والتنوير: نفي البغي {لَّا يَبْغِيَانِ} استعارة بليغة لامتناع الاختلاط الضار؛ شبه تمايز المياه المجاورة وعدم طغيان أحدها باجتناب الجارين المتصالحين التعدي على حقوق بعضهما؛ ليكون ذلك درساً للبشر في اجتناب البغي والاعتداء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بَيْنَهُمَا}: بين ظرف مكان منصوب وهو مضاف، والهاء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه والميم والألف للتثنية، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{يَبْغِيَانِ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل يعود على البحرين؛ والبغي هنا مجاوزة الحد والاعتداء.
وجملة {لَّا يَبْغِيَانِ} في محل رفع نعت لبرزخ، أو في محل نصب حال من البحرين أو مستأنفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم الارتباط والكمال بين وصفي التلاقي والبرزخ!
في الآية (١٩): {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ}.
وفي الآية (٢٠): {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ}.
فجاءت جملة {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ} لتبهر العقول بهذا التناقض الظاهري المحلول بالقدرة الإلهية؛ فهما يلتقيان بحركة أمواجهما، ولكن بينهما حاجز خفي يمنع البغي والتلاشي!
التناسب مع موعظة الميزان السابقة: في الآية (٨) قال: {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ}، وهنا قال: {لَّا يَبْغِيَانِ}؛ فكما ألزم الله الطبيعة والبحار بعدم البغي والطغيان، أوجب على الإنسان العاقل ألا يبغي ولا يطغى على إخوانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كيف يكون بينهما برزخ وهما ماء يلتقي بماء؟
كان المفسرون قديماً يحارون أحياناً في تصور هذا البرزخ الخفي؛ ففسره بعضهم بالأرض الفاصلة.
ولكن اللفظ القرآني صريح: {يَلْتَقِيَانِ}؛ أي يلتقي الماء بالماء!
وجاء علم المحيطات الحديث ليكشف أن البرزخ ليس جداراً خرسانياً ولا يابسة، بل هو حاجز ديناميكي مائي من قوى التوتر السطحي وتدرج الكثافة والضغط والملوحة والتيارات البحرية (المنطقة الحدودية الانتقالية)، التي تعمل كغشاء غير مرئي يمنع طغيان إحدى الكتلتين على الأخرى.
وهذا يبرهن على أن القرآن تنزيل من خلق الكون ويعلم دقائق قوانينه.
التوافق التام مع سورة الفرقان: في الفرقان قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا}؛ فالآيتان متفقتان في تقرير هذه المعجزة المائية الكبرى.
استعارة (البغي) لمجاوزة المياه لخصائصها: تشخيص بليغ للمخلوقات غير العاقلة؛ لتصوير الانقياد التام لأمر الله؛ فالماء المائج يمتثل للحدود ولا يبغي.
تنكير {بَرْزَخٌ}: للتعظيم والغرابة؛ أي حاجز عجيب باهر الصنعة لا تراه العيون المجردة ولكنه يؤدي وظيفته بأعلى درجات الكفاءة.
الإشارة التدبرية: إذا كانت مياه البحار الزاخرة بأمواجها العاتية لا تبغي على جارتها احتراماً لأمر بارئها؛ فما أقبح بالبشر ذوي العقول أن يبغي بعضهم على بعض بالظلم والعدوان!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
احترام التخصصات والحدود في الحياة: كما أن لكل بحر بيئته وخصائصه وبرزخه الحافظ؛ فليحترم كل إنسان حدوده وصلاحياته ولا يعتدِ على اختصاص غيره وحرماته.
حفظ الهوية الإيمانية في بيئات الاختلاط: أن يكون المؤمن كالنهر العذب الملتقي بالبحر المالح؛ يخالط الناس وينفعهم ولكنه يحفظ بينه وبين الباطل برزخاً من التقوى لا يتنازل معه عن ثوابت دينه.