تصور هذه الآية الكريمة عذاباً مركباً بالغ القسوة والفظاعة لأهل الجحيم؛ حيث يتنقلون باستمرار بين الاحتراق بنار جهنم وبين الشرب والاستحمام بالماء الحميم الذي بلغ أقصى غايات الغليان.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٢٩)مصدر غير محدد٢٣/٢٩ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}: قال: الحميم: الماء الحار الذي قد انتهى حره واشتد غليانه؛ والآن: الذي قد بلغ أقصى نهايته في الحر والنضج؛ يطوفون تارة في الجحيم تحرقهم النار، وتارة يهرعون إلى الحميم فيسقون منه فيقطع أمعاءهم؛ فهم بين عذاب وعذاب لا يرجون فرجاً.
وروى أيضاً عن مجاهد وقتادة والحسن والضحاك: آنٍ: أي حاضر مهيأ، وقيل: قد أتى أناه؛ أي استوى غليانه منذ خلق الله السماوات والأرض؛ فلو قطرت منه قطرة على جبال الدنيا لماثت وذابت من شدة حره؛ كقوله تعالى: {تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ}.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٧١)مصدر غير محدد٧/٤٧١: أي تارة يعذبون في الجحيم بالنار، وتارة يسقون من الحميم وهو الشراب الذي كالمُهل يغلي في البطون كغلي الحميم؛ فإذا استغاثوا من حر النار أُغيثوا بماء حميم آنٍ يشوي الوجوه ويقطع الأمعاء؛ فلا يزالون يطوفون بين هذا وهذا، كما قال تعالى: {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣١)مصدر غير محدد١٧/١٣١: الطواف: التردد والمشي الدائم؛ أي يعذبون بالضدين: بنار تتلهب، وبماء حميم يسلق؛ فليس لهم راحة ولا استقرار في مكان واحد، بل ينقلون من نكال إلى نكال أشد منه.
وفي التحرير والتنوير: التعبير بـ{يَطُوفُونَ}: استعارة للتردد الإجباري القهري؛ فليس طواف اختيار كطواف الكعبة، بل طواف قسر وإهانة يساقون فيه بسلاسل الزبانية ومقامع الحديد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَطُوفُونَ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل يعود على المجرمين، والجملة الفعلية في محل نصب حال من المجرمين أو مستأنفة.
{بَيْنَهَا}: بين ظرف مكان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، و(ها) ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه يعود على جهنم، وشبه الجملة متعلق بالفعل يطوفون.
{وَبَيْنَ}: الواو حرف عطف، بين معطوف على بين الأولى منصوب بالفتحة وهو مضاف.
{حَمِيمٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والحميم في اللغة: الماء الحار المغلي الشديد الحرارة.
{آنٍ}: نعت لحميم مجرور وعلامة جره الكسرة المقدرة على الياء المحذوفة للتنوين (لأنه اسم منقوص، أصله آنيٌ)؛ وهو اسم فاعل من أنى الشيء يأني إذا حان وقته وبلغ غايته ونهايته في النضج والغليان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا التقابل في حركات العذاب!
في الآية (٤٣) عرضت عليهم جهنم: {هَٰذِهِ جَهَنَّمُ}.
ثم في الآية (٤٤) صُوِّر هذا التردد القهري المعذب: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}.
فالنار تحرق الجلود من الخارج، والحميم الآني يقطع الأحشاء والأمعاء من الداخل!
فلا خارج يسلم، ولا باطن يهدأ؛ عذاب محيط من كل وجه وبكل أداة.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تنويع ألوان العذاب وانعدام الاعتياد:
من طبيعة الجسد البشري أنه إذا استمر على وتيرة ألم واحدة قد يعتادها أو يتبلد حسه؛ ولذلك ينوع الله العذاب على أهل النار بين اللهب الشديد والحميم الآني والزمهرير البارد والغسلين والضريع والزقوم، ليتجدد الألم في كل لحظة: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ}.
الدلالة الدقيقة لكلمة {آنٍ}:
ليست مجرد ماء دافئ أو حار، بل ماء بلغ الذروة القصوى الممكنة فيزيائياً لدرجة حرارة السوائل تحت الضغط الفائق في قعر الجحيم؛ مما يجعله طاقة حرارية منصهرة تفتت ما تلامسه فوراً.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
المجاز الحركي في {يَطُوفُونَ}: استحضار لحركة الجري والركض المذعور؛ كالمحبوس في قفص مشتعل يركض من زاوية نار إلى زاوية حميم يبحث عن قطرة ماء باردة فلا يجد إلا الحميم الآني!
التنكير في {حَمِيمٍ آنٍ}: تنكير للتهويل والفظاعة؛ أي ماء حار بالغ النهاية في الحرارة لا يقادر قدر فظاعته.
الإشارة التدبرية: من لم يطف في الدنيا حول بيت ربه طائفاً خاشعاً مستسلماً، ولم يطف بقلبه حول معاني القرآن متدبراً؛ طاف غداً مرغماً مقهوراً بين سعير جهنم وحميمها الآني؛ فالنجاة في طواف الطاعة اليوم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة الماء البارد العذب: استشعار كرم الله وفضله في تيسير الماء البارد الهنيء في الدنيا، والحمد عند الشرب: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَهُ عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا».
الحذر من كل طريق يورد جهنم: اجتناب المعاصي والكبائر والشبهات التي تسوق أصحابها إلى الحميم الآني.