بعد أن استعرضت الآيات السابقة ألوان النعم الدنيوية في الآفاق والأنفس والبحار والمراكب، تصدع هذه الآية الكريمة بالحقيقة الكبرى التي تقصم كل كبرياء، وتعلن نهاية مشهد الحياة الدنيا وزوال كل حي عليها.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ١٩)مصدر غير محدد٢٣/١٩ عن قتادة ومجاهد في قوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}: قال: كل من على ظهر الأرض من بني آدم وسائر الخلائق والدواب فإنه يموت ويفنى؛ والهاء في قوله {عَلَيْهَا} تعود على الأرض وإن لم يجرِ لها ذكر قريب؛ لدلالة السياق وشهرة المعنى؛ كما قال تعالى: {مَّا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ}.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٦)مصدر غير محدد٧/٤٦٦: يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعين، وكذلك أهل السماوات إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبداً، والجن والإنس يموتون، كما جاء في الحديث الصحيح.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢٣)مصدر غير محدد١٧/١٢٣: الفناء: الهلاك والعدم بعد الوجود؛ وهذا حكم عام قضى به الله على جميع خلقه؛ ليعلم العباد أن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأن النعيم الحقيقي هو نعيم الآخرة الذي لا يفنى.
وفي التحرير والتنوير: التعبير بـ{مَنْ} الدالة على العقلاء تغليباً؛ لأن المكلفين من الإنس والجن هم المقصودون بالوعظ والمحاسبة والجزاء؛ ولأن هلاك العقلاء يستلزم هلاك ما دونهم من الأنعام والدواب بالأولى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كُلُّ}: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف؛ وكل اسم موضوع لاستغراق أفراد الجنس.
{مَنْ}: اسم موصول مبني على السكون في محل جر مضاف إليه.
{عَلَيْهَا}: على حرف جر، و(ها) ضمير متصل مبني في محل جر بعلى يعود على الأرض، وشبه الجملة متعلق بمحذوف صلة الموصول تقديره (استقر عليها أو وجد عليها).
{فَانٍ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة للتنوين (لأنه اسم منقوص، وأصله فانيٌ)؛ والفناء هو العدم والزوال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا الانتقال النظمي المزلزل!
طوف القرآن بالنفوس في روائع الجمال: فواكه، نخل، حب، ريحان، لؤلؤ، مرجان، سفن كالأعلام.
فربما مالت النفس إلى الاستغراق في هذه الملاذ والغفلة عن المصير.
ففاجأها التنزيل بهذه القارعة الحتمية: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}!
لينكسر كل تعلق بالدنيا، وليدرك السامع أن هذه النعم إنما هي زاد مؤقت لرحلة تنتهي بالموت، ثم يعقبها الحساب والخلود.
الاتصال مع الآية التالية: أثبت فناء كل ما سوى الله، ليعقبه بإثبات البقاء المطلق لله وحده: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حتمية الفناء برهان الحدوث والافتقار:
كل كائن يطرأ عليه الموت والزوال فهو مخلوق حادث مفتقر إلى غيره؛ يستحيل عقلاً أن يكون إلهاً.
فالآية تسقط جميع الآلهة المزعومة من البشر والملائكة والجن؛ فالكل سيفنى، ويبقى الإله الحق الحي القيوم.
دفع توهم استثناء بعض المخلوقات: قوله {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} نص محكم في فناء أهل الأرض؛ وأما ما جاء من بقاء عجب الذنب أو أرواح الشهداء أو الحور العين والعرش فإن بقاءها ليس ذاتياً، بل بإبقاء الله تعالى لها، والأصل الكلي أن كل شيء هالك إلا وجهه سبحانه.
الإيجاز المطلق بكلمات أربع: جمعت الآية مصير مليارات البشر وسائر الأحياء في جملة قصيرة قاطعة.
التعبير بالاسم {فَانٍ} بدلاً من الفعل (يفنى): للدلالة على ثبوت الفناء ولزومه لكل مخلوق كأنه حاصل وواقع بالفعل في علم الله.
الإشارة التدبرية: تذكر الفناء أعظم دواء لقسوة القلب وطول الأمل؛ فلو كانت الدنيا تدوم لأحد لدامت للأنبياء والمرسلين؛ فالسعيد من تزود منها للدار الباقية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قصر الأمل والاستعداد للموت: العمل بوصية النبي ﷺ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» (صحيح البخاري: ٦٤١٦).
التحرر من سطوة المادة والغرور الدنيوي: اليقين بأن كل ما يملكه الإنسان من جاه أو مال أو قوة سيفنى ويتركه خلف ظهره؛ فلا يتكبر على عباد الله.
الإنابة إلى الله والتعلق بالباقي: صرف القلب عن التعلق بالفانين، والاعتماد على الحي الذي لا يموت.