بعد أن طوف السياق في آيات السماء العلوية ورفعها وميزانها، عاد إلى الأرض السفلية لبيان نعمة تمهيدها وتذليلها لتكون مستقراً ومأوى لسائر الخلائق.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٨)مصدر غير محدد٢٣/٨ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ}: قال: الأنام: الخلق كلهم؛ كل ما دب على وجه الأرض من إنس وجن وحيوان ودابة؛ وضعها لهم مهاداً وبساطاً ومعاشاً، وأرساها بالجبال لئلا تميد بهم.
وروى أيضاً عن قتادة ومجاهد: الأنام: بنو آدم وسائر الخلق؛ وضعها الله لهم ليسكنوا على ظهرها، ويأكلوا من نباتها وثمارها، ويدفنوا في بطنها إذا ماتوا.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٢)مصدر غير محدد٧/٤٦٢: كما رفع السماء وأعلى بناءها، وضع الأرض وخفضها وأرساها بالجبال الرواسي الشامخات، لتستقر عليها أجساد الخلائق، وجعل فيها أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم، فجعلها فراشاً ومهاداً للأنام، وهم الخلائق على اختلاف أصنافهم وألوانهم وألسنتهم.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٥)مصدر غير محدد١٧/١١٥: الأنام: كل ذي روح على الأرض؛ وقيل: الإنس والجن خاصة لأنهم المكلفون؛ والعموم أولى؛ والوضع هنا التمكين والتذليل، كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ}.
وفي التحرير والتنوير: تقديم الأرض على الفعل لإفادة الاختصاص والاهتمام ببيان عظم هذا الموطن الذي جعله الله مسرحاً لحياة الإنسان وامتحانه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالْأَرْضَ}: الواو عاطفة على {وَالسَّمَاءَ} في الآية (٧)، الأرض مفعول به منصوب لفعل محذوف يفسره ما بعده على باب الاشتغال (تقديره: ووضعَ الأرضَ وضعها)، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{وَضَعَهَا}: وضع فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على {الرَّحْمَٰنُ}، و(ها) ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والجملة مفسرة لا محل لها من الإعراب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم التوازن النظمي بين الآفاق!
قال في الآية (٧): {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا}.
وقال هنا في الآية (١٠): {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا}.
فرفع السماء علواً وزينة وسقفاً محفوظاً، ووضع الأرض استقراراً وفراشاً ومهاداً للأنام.
هذا الجمع بين قطبي الكون (السماء والأرض) يستوعب كل أبعاد الوجود الإنساني؛ فمن السماء ينزل الغيث والوحي والنور، ومن الأرض تخرج الأقوات والثمار والمعاش.
ربط وضع الأرض بذكر الأقوات في الآيات التالية: مهد لذكر تفاصيل خيرات الأرض من الفاكهة والنخل والحب والريحان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة ملائمة الأرض للحياة البيولوجية:
التعبير بـ{وَضَعَهَا}: يشير علمياً إلى ضبط كتلة الأرض وجاذبيتها وبُعدها عن الشمس وسماكة غلافها الصخري والمائي؛ فلو كانت الأرض أكبر حجماً لزادت جاذبيتها وشلت حركة الإنسان، ولو كانت أصغر لتبدد غلافها الجوي وفقدت ماءها وهواءها.
فوضع الأرض بهذه الخصائص الحيوية المتقنة منحة من الرحمن للأنام؛ ليستطيعوا الحركة والزراعة والبناء والاستقرار.
المشاركة البيئية بين الكائنات: قوله {لِلْأَنَامِ} يعلم الإنسان ألا يستبد بخيرات الأرض وألا يفسد في توازنها البيئي؛ فالأرض جعلها الله سكناً له ولسائر دواب الأرض وطيورها: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم}.
التقابل التام بين رفع السماء ووضع الأرض: يبرز القدرة الإلهية المطلقة التي تخفض وترفع، وتسخر العلويات والسفليات لمصالح عباده.
إيثار لفظ {الْأَنَامِ} على لفظ (الناس): للدلالة على سعة الرحمة الإلهية؛ فالرحمن يرزق الإنسان والحيوان والطير والنملة في جحرها والحوت في بحره، لا ينسى من فضله أحداً.
الإشارة التدبرية: إذا كانت الأرض موضوعة لك في دار الفناء لتتزود منها، فكيف بمقعد الصدق وجنان الخلود في دار البقاء عند مليك مقتدر؟
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر الله على نعمة السكن والاستقرار: أن يتذكر الإنسان نعمة ثبات الأرض تحت أقدامه؛ فلو شاء الله لزلزلها أو خسف بها: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ}.
الرحمة بجميع المخلوقات والدواب: الإحسان إلى الحيوان وعدم إيذائه، امتثالاً لكون الأرض موضوعة للجميع برحمة الله.
عمارة الأرض بالخير والإصلاح: استشعار مسؤولية الاستخلاف في الأرض بعدم تلويثها أو إفساد أنهارها ونباتها، وتسخير مواردها في طاعة الله وخدمة الإنسانية.