تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 609)جامع البيانالطبري١٣/٦٠٩: يروي الطبري بإسناده عن مجاهد وقتادة والضحاك والسدي وابن عباس: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ}: أي إن مال الكفار المحاربون وطلبوا المصالحة والمهادنة وترك الحرب والمقاتلة؛ {فَاجْنَحْ لَهَا}: فمل إليها واقبل منهم الصلح والهدنة؛ ولا تظنن أن في قبول السلم ضعفاً أو مهانة ما دامت المصلحة الشرعية تقتضيه، بل {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} واعتمد عليه في كفايتك شرورهم ودفع مكرهم؛ {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} لأقوالهم ومعاهداتهم، {الْعَلِيمُ} بنياتهم وضمائرهم وبما يصلح شأن عباده.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 84)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٨٤: يوضح ابن كثير أن هذه الآية أصل عظيم في العلاقات الدولية وفقه المعاهدات؛ وقد عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية حين طلبت قريش الهدنة لعشر سنين، فقبلها النبي صلى الله عليه وسلم رغم معارضة بعض الصحابة في البداية، فكان ذلك الفتح المبين الذي دخلت به وفود العرب في دين الله؛ فالإسلام ليس دين تعطش للدماء، بل إذا رغب العدو في السلم العادل كُفّ عنه القتال وتُوكل على الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{جَنَحُوا}: الجُنُوح في كلام العرب هو الميل والركون إلى الشيء؛ جنح إلى كذا إذا مال إليه برغبته وعطف عليه؛ وجوانح الإنسان أضلاعه لميلها على فؤاده.
{لِلسَّلْمِ}: السَّلْم بفتح السين أو كسرها هو الصلح والمهادنة وترك الحرب، وهو يذكر ويؤنث؛ وتأنيث الضمير في {فَاجْنَحْ لَهَا} باعتبار السلم بمعنى المصالحة أو الخصلة أو الفعلة.
الإعراب والتركيب:
{وَإِن}: الواو عاطفة، إن حرف شرط جازم.
{جَنَحُوا}: فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعل.
{لِلسَّلْمِ}: متعلقان بـ (جنحوا).
{فَاجْنَحْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، اجنح فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر تقديره أنت، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{لَهَا}: متعلقان بـ (اجنح).
{وَتَوَكَّلْ}: معطوف على اجنح.
{عَلَى اللَّهِ}: متعلقان بـ (توكل).
{إِنَّهُ}: إن واسمها.
{هُوَ}: ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ.
{السَّمِيعُ}: خبر أول لـ إن (أو خبر هو والجملة خبر إن).
{الْعَلِيمُ}: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة، والجملة تعليلية لا محل لها.
وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف العاشر: {لِلسِّلْمِ} بكسر السين وإسكان اللام؛ وهما لغتان فصيحتان في الصلح والموادعة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التوازن القرآني الفريد بين القوة والسلم:
في الآية (60) السابقة أمر بأقصى درجات الاستعداد العسكري والردع: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.
وفي هذه الآية (61) أمر بقبول السلم والمهادنة إن رغب فيها العدو: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}.
هذا الاقتران يعلم الأمة أن "إعداد القوة ليس غاية لذاته للاعتداء والبطش، بل هو صمام أمان لإلجاء العدو إلى السلم"؛ فالسلم الحقيقي لا تحميه إلا القوة العسكرية الرادعة، فإذا تحقق خفض السلاح كان السلم هو الخيار الأول.
ادعى بعض المفسرين أن قوله تعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} منسوخ بآيات القتال وبراءة!
الدفع والمحاكمة الأصولية الرصينة عند المحققين (ابن جرير وابن كثير وابن القيم والشنقيطي):
الآية من المحكم المستقر الذي لا يدخله نسخ؛ فالأحكام الشرعية تنزل بحسب المصالح والأحوال:
إذا كان بالمسلمين ضعف أو كانت المصلحة الشرعية تقتضي المهادنة وإقرار الصلح لكف شر الأعداء أو التفرغ لترتيب الصفوف كما في صلح الحديبية جاز الجنوح للسلم عملاً بهذه الآية.
وإذا كانت القوة للمسلمين وكان العدو خادعاً غادراً لا يرجى صلاحه والقتال أنكى له، فالواجب الجهاد عملاً بآيات القتال: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ} [محمد: 35].
فالآيتان محكمتان، وتطبيقهما موكول لاجتهاد إمام المسلمين وقيادتهم بحسب المصلحة الشرعية الراجحة.
تأنيث الضمير في {فَاجْنَحْ لَهَا}: لبيان أن السلم خصلة محبوبة حميدة يسعى إليها العقلاء صيانةً للدماء.
الاقتران بـ {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}: إشعار بأنه لا ينبغي للمسلم أن يقلق من غدر العدو المحتمل بعد المعاهدة؛ لأن المعاهدة مقرونة بالتوكل على الله الحافظ، والتوكل على الله أقوى من كل الضمانات البشرية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الإسلام دين السلم والعدل: غاية الإسلام ليست إفناء البشرية بالحروب، بل إقامة العدل وتمكين الدين؛ فإذا جنح الأعداء للسلام العادل الذي يحفظ كرامة المسلمين وحرية دعوتهم قُبل السلم بلا تردد.
سعة أفق القيادة الإسلامية: القائد المسلم يملك الشجاعة في ميدان القتال، ويملك الحكمة والمرونة في ميدان المفاوضات والمعاهدات لتحقيق مصالح الأمة الكبرى.