تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 453)جامع البيانالطبري١٣/٤٥٣: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أن المعنيين بهؤلاء هم المنافقون من أهل المدينة، أو اليهود من بني قينقاع والنضير وقريظة، أو مشركو مكة؛ فإنهم قالوا بألسنتهم: {سَمِعْنَا} قولك وفهمنا كلامك، {وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}: أي لا يسمعون سماع قبول وتدبر وطاعة؛ بل قلوبهم لاهية غافلة، أو مصرة على التكذيب والعصيان؛ فنهاهم الله عن التشبه بهؤلاء الخاسرين.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 33)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٣٣: يوضح ابن كثير أن الآية تحذر المؤمنين من خصلة النفاق القبيحة؛ وهي إظهار الموافقة باللسان مع خلو الباطن من الانقياد؛ فالكافر والمنافق يسمع الصوت بآذانه ولكن لا ينتفع به قلبه، فصار كالأصم الذي لا يسمع شيئاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{سَمِعْنَا}: السماع الأول هو سماع الصوت الحسي بالأذن الظاهرة.
{لَا يَسْمَعُونَ}: السماع الثاني المنفي هو سماع القلب والعقل؛ وهو الإصغاء والاستجابة والاتباع والخشوع.
الإعراب والتركيب:
{وَلَا}: الواو عاطفة، (لا) ناهية جازمة.
{تَكُونُوا}: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ (لا) وعلامة جزمه حذف النون، والواو اسمه.
{كَالَّذِينَ}: الكاف اسم بمعنى مثل في محل نصب خبر تكون، أو حرف جر والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر تكون، الذين اسم موصول مضاف إليه أو مجرور بالكاف.
{قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{سَمِعْنَا}: فعل ماض و(نا) فاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
{وَهُمْ}: الواو واو الحال، هم ضمير منفصل مبتدأ.
{لَا}: حرف نفي.
{يَسْمَعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر هم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل قالوا.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مقابلة بديعة بين حالين:
حال المؤمنين المأمورين بالسماع الحق المقترن بالطاعة {وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ}.
التحذير من آفة "التشبه بالأعداء في التناقض القولي والعملي": النهي صريح عن التشبه بأهل النفاق الذين يملكون آلات السماع ولكنهم يعطلون وظيفتها العقلية والروحية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إثبات السماع ونفيه في جملة واحدة:
كيف يقولون: {سَمِعْنَا} ثم يقول الله تعالى: {وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}؟ هل هذا تناقض؟
الدفع والمحاكمة البلاغية واللغوية:
ليس في الآية أدنى تناقض؛ لاختلاف جهتي السماع:
السماع المثبت في قولهم: هو السماع الحسي للأصوات؛ أي سمعنا بأذاننا ألفاظ القرآن وكلام النبي.
السماع المنفي في حكم الله: هو سماع القبول والعمل؛ ففي لغة العرب يقال لمن يسمع النصيحة ولا يعمل بها: "أنت لم تسمع ما قلت لك"، ومنه قول المصلي: "سمع الله لمن حمده" أي استجاب وقبل. فلما تعطلت ثمرة السماع نُزلوا منزلة الصم الذين لا يسمعون، وسقطت قيمة سماعهم الحسي.